الاثنين، 2 فبراير 2026

Hiamemaloha

كتاب تعلمت من زوجي الفصل الثاني

 كتاب 《تعلمت من زوجي》

الفصل الثاني

تعلّمتُ من زوجي معنى «لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا»


لم أفهم سرَّ وعمق الآيةِ الكريمة:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾

إلّا حين عرفتُ زوجي…

أدركتُ أنّ السكنَ ليس بيتًا يُبنى بالحجارةِ والحديد، وليس جدرانًا تلتصقُ ببعضها، ولا سقفًا ولا بابًا يُغلقُ آخرِ النّهار، ولا غرفةً يضيء ظلمتها مصباح؛

بل روحٌ تُضاء بالطمأنينة والسكينة،

روحٌ يُستند إليها،

وقلبٌ يفتح لكِ نوافذه قبل أن تفتحي بابَ البيت،

قلبٌ يهيّئ لكِ مرفأ الأمان كلّما تاهت أيّامكِ، وضاعت منكِ نفسكِ،

ليكون لكِ في روحٍ أخرى مرسى وملجأ، ترسين عليه كلّما احتاجت نفسكِ ذلك.

كان زوجي رحمه الله سكني حين ضاقت الدنيا، وسكوني حين اضطربت، وسندي حين لم يكن لي غيره.

معه عرفتُ أنّ السّكن الحقيقي ليس هدوءَ المكان، بل هدوءَ الرّوح.

ليس دفءَ الفصول، بل دفءَ الكتف الذي يقترب حين يشتدّ البرد من داخل الإنسان.

ليس كلمات المواساة، بل نظرةٌ واحدةٌ منه كانت كافيةً لتشعرني أنّ كلّ شيء — مهما كان مُرهقًا — سيصبح بخير.

تعلّمتُ أنّ السّكن ليس أن ترتاحي بجوار شخصٍ فقط، بل أن ترتاحي ويكون لكِ مسكنٌ في قلبه وروحه.

تعلّمتُ معنى أن تجد المرأة في كنف زوجها مأوى يسع خوفها، وينصت لأنينها…

أن تجد عقلًا يحميها من فوضى التفكير وشتاته، وقلبًا لا يتبدّل مهما تبدّلت الظروف.

ليكون السّكن الذي يمنحه الرجل الحقيقي… ليس كلامًا، بل حضورًا…

وكان زوجي — رحمه الله — حين يدخل المنزل، يدخل معه نورٌ مختلف…

نورٌ يشبه الأمان والاطمئنان الذي وجدته مختصرًا في ملامحه؛

فهو الذي أتقن فنّ المعرفة: كيف يطمئن قلبًا يتعب بسرعة، وكيف يجعل من الهمّ شيئًا يمكن احتماله.

لم يكن يرفع عنّي أثقال الحياة وأيّامها فحسب، بل كان يسبقها ويخفّف وطأتها قبل أن تصل…

كان يسبق ألمي، فيراه في عينيّ، ويحتوي خوفي قبل أن أنطقه، ويمرّر على قلبي طمأنينةً لا تُشترى ولا تُتعلّم في أيّ كتاب.

كان يشعر بما يقلقني ويزعجني قبل أن أحدّثه، كأنّه يسمع دقّات قلبي ويترجم لغتها أكثر ممّا يسمع كلماتي؛

فيدرك ما أريد قوله، ويطبّطب ويحنو حين تخذلني الكلمات وتتشتّت الحروف، فيتيه منّي التعبير،

لتتولّى ملامح وجهي تلك المهمّة بدلًا عن لساني،

وليتولّى قلبه فهمَ وإدراكَ ما لم ينطقه اللسان.

وما إن يضع يده على كتفي مواسيًا، حتى تنزل السّكينة على قلبي نزولَ ماءٍ باردٍ على صدرٍ مشتعل.

كان إذا ابتسم هدأت فوضاي، وإذا قال: «أنا معكِ»، شعرتُ أنّ العالم كلّه يميل ليحملني معه.

تعلّمتُ منه أنّ السّكن ليس أن تكوني معه فقط، بل أن تكوني معه وله وبه،

وليس حنانًا مؤقّتًا، بل عهدًا روحيًّا بأن يكون أحدهم وطنًا لكِ في الغربة، وسكينةً في العاصفة، ويدًا تمتدّ قبل أن تسقطي.

أن يترك في روحكِ أثرًا يظلّ ممتدًّا حتى بعد رحيله…

في المرض… تعلّمتُ سرَّ السكن ومعناه الأكبر

حين أصابني المرض، وظننتُ أنّ الحياة تنكمش من حولي، كان هو المساحة الفسيحة التي أتنفّس فيها ومنها.

كان يرفع رأسي حين تثقل عليّ اللحظات، ويمسك يدي وكأنّه يمسك خيط روحي كي لا تنفلت منّي.

لم يكن يواسيني بكلماتٍ عابرة، بل بعينين تقولان:

«لن أترككِ… وإن وقفتِ الدنيا كلّها ضدّكِ».

كان متعبًا أحيانًا، مُرهقًا كأيّ إنسان، لكنّه لم يتركني لحظةً أشعر أنّي وحدي.

علمتُ عندها أنّ معنى السكن ليس وجودًا جسديًّا فحسب، بل روحًا تحتضن روحكِ بصدقٍ ومحبّةٍ وإخلاص، دون أن تتخلّى…

أدركتُ أنّ السّكن شراكةُ روح، لا شراكةَ حياةٍ فقط.

فكيف لا يكون سكني، وهو الذي كان إذا هدأتُ هدأ، وإذا خفتُ طمأن، وإذا بكيتُ مسح دمعي؟

كيف لا يكون سكنًا، وأنا ما زلتُ — حتى بعد غيابه — كلّما ضاقت الدنيا أستحضر صوته، لأشعر أنّي على أرضٍ ثابتة ولا أسقط؟

في الفراق… يتجلّى السّكن بمعنى أعمق

فبعد رحيله، ظننتُ أنّ السّكن يُفقد بفقد صاحبه…

لكنّني اكتشفتُ شيئًا أعظم:

أنّ الأرواح التي يتعلّق قلبها بالله، وتمنح الحبّ بصدقٍ ووفاء، لا تغادر تمامًا.

يبقى منها ظلٌّ خفيف فوق القلب…

لمسةٌ دافئة على الرّوح…

ونسيمٌ يمرّ في اللحظات الصّعبة كأنّه يقول:

«أنا هنا… لم أترككِ».

إنّ السّكن الذي علّمني إيّاه زوجي لم يكن سكن اللحظة، بل سكن العمر…

سكنٌ يمتدّ حتى بعد أن يُوارى الجسد التراب؛

لأنّ السّكن الحقيقي يُبنى من الحبّ الصّادق، لا من الأيّام والشّهور والسّنين.

بعد رحيله، أدركتُ أكثر من أيّ وقتٍ مضى أنّ السّكن ليس في الوجود الجسدي فقط…

فروحه ما زالت تسكنني، وذكراه ما زالت تظلّل قلبي، وكلماته التي تركها لي ما زالت تحرسني من الانكسار.

وإن كان الغياب قد أخذ جسده، فالسّكينة التي غرسها في قلبي بقيت، ترافقني، ترفعني، وتدلّني عليه كلّما تاهت خطواتي.

وكلّما ضاقت الدّنيا، أعود بقلبي إلى ذلك الرّكن الذي بناه لي…

أعود إليه كلّما احتجتُ أمانًا…

أستنشق أثره كلّما راودني ضعف، وهاجمتني جيوش القهر والخذلان، وأحمل اسمه في قلبي دعاءً لا يغيب.

تعلّمتُ منه أنّ «لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا» هي أعظم معاني الرحمة في الزواج…

تعلّمتُ أنّ المرأة تحتاج قلبًا صادقًا…

ورجلًا يتحوّل معها من زوجٍ إلى رفيق…

ومن رفيقٍ إلى سند…

ومن سندٍ إلى وطن…

وهذا ما كان عليه زوجي رحمه الله…

وطنًا صغيرًا يسع أنفاسي، وسكينةً تسند ظهري، ورحمةً يمشي بها بين الناس.

وحتى اليوم، ما زلتُ أسكن إليه… وإن كنتُ أسكن على الذكرى…

أسكن إلى دعائه الذي ما زال يرافقني،

إلى مواقفه التي أشعر أنّها تحرسني وترعاني وتحيطني بالأمان رغم رحيله،

إلى صورته في قلبي التي لا تبهت مهما مرّ الزمن،

وإلى عهدٍ بيننا سيكتمل — بإذن الله — في الآخرة،

حيث يسكن بعضُنا إلى بعضٍ في جنة الرحمن باذن الله.

رحمك الله يا زوجي…

يا سكني وذاكرتي وطمأنينتي…

يا من علّمتني معنى «لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا».

ويكفيني أنّني كنتُ لديك السكن، كما كنتَ لي…

رحمك الله يا من كنت سكنا لروحي،

وسيبقى القلب على العهد والوعد،

حتى يجمعنا الله في جنّته بإذن الله، حيث لا فراق بعده.


يتبع..........

بقلمي/ بيسان مرعي

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :