الأحد، 7 يونيو 2026

Hiamemaloha

معلقة رحلة الحرف للشاعر محمد علي باني

 معلقة ؛ رحلة الحرف

بقلمي الشاعر محمد علي باني 


أيا حرف كم لاقيت في القلب وحشة 

وطال عليك الصمت والليل مظلم 


حبستك أعوام السكون كأنما 

بجفن الليالي ألف قيد يحكم 


فما زلت في أعماق نفس أبية 

تناجيك لكن ليس يؤذن تعلن 


الى أن أتى وعد الأله فحلقت 

جناحاك وانجاب الظلام المعتم 


 فصرت تطل فوق أفق محلق 

كطير على متن السحاب يحلم 


تمر على أرض العقول كغيمة 

إذا مسها الجدب الطويل تبرعم 


وتسقي قلوبا أجدبت من هداية 

ففي قطرة الأفكار زهر يبسم 


وتنسج من نور الحروف قلائدا 

إذا لامست روح البصير تكرم


وتلقي بذور العلم في كل موطن 

فتنبث أفهاما بها يستعلم 


فكم فكرة كانت كجنين مقيد 

فأطلقها حرف  فعمت  و تعلم 


وكم كلمة سارت قليلا فأصبحت 

على ألسن الأجيال تروى وتفهم 


فلا تحقرن الحرف ، إن رسالة 

من النور في ثوب الحروف تقدم 


فقد كان يوما فوق صخر مسطرا 

تخلده الأيدي ، ودهر يعلم 


وتارة في ألواح قوم تقدموا 

فخلف ٱثارا بها الناس تفهم 


وسار على جلد الرقوق مهاجرا 

وفي جوفه سر الحضارات يكتم 


وحمل في الأسفار شرقا ومغربا 

فكم عالم من نوره يتعلم 


ومر على بغداد يزهو بعلمها 

وفي الأندلس الغراء مجد يترجم 


وشاهد بيت الحكمة الغض شامخا 

وفيه عقول الدهر تملى وتحكم 


ورافق أقلام الأئمة حكمة 

فأثمر علما لا يبور ويهزم 


وظل ينادي في الورى إن رفعة 

بغير ضياء العلم وهم موهم 


إلى أن أتى عصر المطابع فانطلقت 

جيوش حروف في البلاد تخيم 


فلم يبقى باب المعارف موصدا 

ولا فكر حر في القيود يحطم 


ثم انثال في الشاشات يجري كأنه 

نهر من الأفكار دوما يكلم 


يعانق أقصى الأرض في لمح خاطر 

فلا البحر يقصيه ولا البر يعجم 


فيا عجبا! حرف صغير تحولت 

به أمم ، واستيقظ الحلم يحلم 


وكم كلمة كانت كنوز بظلمة 

فأحيت عقولا كان فيها التوهم 


فيا أيها الحرف الذي طاف في دنا 

أما زلت سرا في الوجود يترجم 


بك إرتفعت صروح علم شامخاتها 

وباسمك أجيال الحضارة تكرم 


وبالحرف قامت دولة الحق عندما 

تجلى هدى الرحمن والناس نوم 


وبالحرف سار العدل بين رعية 

فأمسى الضعيف المستضام معظم 


ولكن حرفا حين خان رسالته 

تبدر نور الفجر والليل مظلم 


فكم من لسان زين الزور للورى 

فمالت عقول ، والظلام مخيم 


وكم من بيان ألبس الباطل الحلى 

فصدقه قوم ، وهم يتوهوا 


فحد السيوف الحرف يبني إذا صفا

ويهدم إن راغت به النفس تجرم 


وكم كلمة أحيت قلوبا ميتة 

وكم كلمة منها المودة تعدم 


فلا تكتبن الحرف إلا أمينة 

فإن عليه في القيامة تحاكم 


ولا تجعل أقلام جسر مٱرب 

فكم قلم باع الضمير وأجرم 


واكتب كما تمشي السنابل عفة 

إذا اثقلتها بالثمار المواسم 


فخير القوافي ما أقام حقيقة 

وسر القوافي ما به الشر يخدم 


فيا أيها الحرف المسافر في المدى 

أما ٱن ان تفضي بما أنت تكتم ؟


لقد عشت أعواما تنير مسالكا 

ويفنى رجال ، والضياء يتمم 


فكم عالم وارى الثرى جسده 

وما مات اذ علم الحقيفة يعلم 


وكم شاعر غابت ملامح وجهه 

وفي الناس من انفاس شعره معلم 


يموت الفتى ، لكن ما خط كفه 

يبقى ، وفي أرجاء دنيا الناس يفهم 


كغيث همى ثم انقضى غير انه 

أقام ربيعا في الربى يترنم 


فلا تجعل الأقلام لهوا عابرا 

فكل الذي تملي يد المرء يرقم 


غدا تطوى الأيام ، والناس رحل 

ويبقى الذي قدمت وهو المقدم 


فإن كان نورا كان زادك في المدى 

وإن كان زورا فالندامة تلجم 


فطوبى لمن أمسى يشيد فكرة 

بها يرتقي عقل ، ويهتدي مسلم 


وطوبى لمن أهدى الحروف رسالة 

من الصدق لا ريب بها مغنم 


فما المجد أن يذكر اسمك برهة 

ثم يطويك نسيان ، ويمضي الموسم 


ولكن مجد المرء ان يبقى أثره 

إذا غاب شخصه ، والأعوام تهزم 


وهذي حروفي قد اطلقت سراحها 

فإن بلغت قلبا ، فذاك تكرم 


وإن أنبتت في العقل وعيا صادقا 

فحسبي بأن الحرف يوما سيكرم 


سلام على حرف أراد هداية 

فسار وفي كف الزمان يسلم 


وسلام على فكر إذا عاش صادقا 

فإن صدى الأعمار منه تختم 


فما الناس إلا راحلون ويبقى 

من المرء ما قد خطه وتكلموا 


اذا مات جسم المرء غاب ترابه 

ولكن نور الفكر لا يتهدم 


التوقيع ؛


أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم 

نبض الحنين به ، وارتد ملتهما 


محمد علي باني / تونس


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :