الثلاثاء، 9 يونيو 2026

Hiamemaloha

ق.ق مراجعة للكاتب طارق الحلواني

 مراجعة                ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

منذ أسبوعها الأول في الإدارة، اختلفت معه بسبب ملف.

أعادتْه إليه لأن صفحة ناقصة لم تُرفق به.

أعاده إليها لأن الصفحة ليست من اختصاصه.

عاد الملف بين المكتبين ثلاث مرات في يوم واحد، حتى صار مادةً للتندر بين الموظفين.

في الطابق الرابع كانت المراوح تدور بكسل فوق الرؤوس. رائحة الورق القديم ممزوجة ببخار غلاية الشاي. أصوات الدبابيس والختم الأحمر وثرثرة لا تنتهي.

لم يحبها.

ولم تحبه.

لهذا ربما ارتاحا لبعضهما أكثر من اللازم.

في الأسابيع التالية تكرر احتكاكهما. وكلما وصل الملف إلى أحدهما أعاده إلى الآخر بملاحظة جديدة، أو توقيع ناقص، أو اعتراض صغير.

كأنهما يتحدثان من خلال الأوراق.

في رحلة الموظفين إلى الفيوم جلس كل منهما بعيدًا عن الآخر في الحافلة.

وعندما نزلوا قرب البحيرة، تفرقت المجموعة بين الصور والضحكات وأكياس الطعام.

بعد ساعة انتبها أنهما وحدهما.

لم يعرفا كيف ابتعدا عن الباقين.

سارا بمحاذاة الماء.

كانت تبحث بعينيها عن الحافلة.

وكان يبحث عن أي شيء إلا الحديث.

قالت فجأة:

ـ أحيانًا أشعر أن الناس يولدون ومعهم حكم جاهز على الآخرين.

لم يعلق.

التقط حجرًا صغيرًا وقذفه في الماء.

قالت بعد صمت:

ـ أمي صدقت رجلًا لم تصدقني.

توقفت الكلمات بينهما لحظة.

لم يسأل عن التفاصيل.

ولم تشرح.

بعد خطوات قال:

ـ وأنا لم أصدق امرأة منذ زمن طويل.

التفتت إليه.

لأول مرة.

ثم أعادت نظرها إلى الطريق.

حين عثرا على المجموعة كان المساء قد بدأ يهبط على المكان.

في طريق العودة نام أغلب الموظفين.

أما هما فبقيا صامتين.

خلف زجاج الحافلة كانت الحقول تتراجع إلى الخلف ببطء.

بعد شهر انتقلت إلى إدارة أخرى.

في صباح رحيلها مرّت على المكاتب لتوديع الزملاء.

وحين وصلت إلى مكتبه اكتفت بإيماءة صغيرة.

ردّ بمثلها.

لا مصافحة.

لا كلمات.

لا وعد بلقاء.

بعد دقائق اختفت في آخر الممر.

عاد إلى مكتبه.

كانت فوقه معاملة جديدة تنتظر المراجعة.

مد يده إليها.

فتوقف.

كان ذلك الملف نفسه.

الملف الذي ظل شهرين يتنقل بين مكتبه ومكتبها.

هذه المرة كانت كل الصفحات كاملة.

وفي آخر صفحة، تحت آخر توقيع، خطٌّ صغير بقلم أزرق:

"تمت المراجعة."

جلس طويلًا ينظر إلى العبارة.

ثم أغلق باب مكتبه برفق، وفتح الملف من الصفحة الأولى.


طارق الحلوانى 

يونيو ٢٠٢٦

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :