جذر لا يهتز
كثيرا ما أجلس متصفحا دفاتري، فأرى الصفحات تتسع أمامي كمدن عبرتها، وطرقات قطعتها، وأزقة ضللت فيها ثم اهتديت.
وحين أستعيد ما مضى، لا أستحضر الأمكنة وحدها، بل أستحضر الإنسان الذي كنته لحظة العبور، والدروس التي تركتها في داخلي، والأثر الذي ظل يرافقني بعد أن غادرتها.
وأتساءل:
أي شيء يبقى مني حين تطوى التذاكر، وتغلق الحقائب، وتنسى الأسماء والمواقع؟
هل ما رأته عيناي من مناظر ومدن؟
أم ما تعلمته ورسخ في أعماقي، فصار يلهم القلم ويوجهه؟.
ولأجيب عن هذا كله، أستعيد دروب السفر التي شكلت وعيي شيئا فشيئا.
لقد سافرت طويلا، ركبت الحافلات في دروب تلتف كالقصص، وامتطيت القطارات تخترق المسافات بثبات لا يكل.
وركبت البواخر تمخر عباب البحر حيث لا أرض ترى، وصعدت الطائرات تعانق السحاب وتقرب ما بين الأقطار.
وامتطيت الدراجة النارية أشق بها الطرقات الضيقة، أتنفس الريح قبل أن تتنفسني، وأشعر بالأرض تحتي أقرب مما تكون في أي مركبة أخرى.
طفت بالأرض شرقا وغربا، ووقفت في بقاع شتى، واختبرت وجوها وشعوبا وعادات لا تشبه بعضها.
وكلما ازددت ابتعادا، ازددت يقينا بأن الأسفار لا تغير المكان الذي أصل إليه وحسب، بل تكشف لي أعمق ما في.
فكل رحلة كانت درسا لا يكتب في كتاب.
علمتني أن الاختلاف لا يلغي اللقاء، وأن المسافة لا تقطع الود الحقيقي، وأن ما تبدو به الدنيا من زينة سرعان ما تتبدل حين تغيب الأضواء.
رأيت الرفعة في تواضع الناس، والثبات في سكينتهم، والكرم في بساطتهم، وأدركت أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يحيط به، بل بما يسكن داخله.
وعدت من كل سفر بأقل متاع وأعمق تجربة:
وأن ما يبقى هو الجوهر لا المظهر، والأصل لا العرض، والأثر لا العابر من تفاصيل الحياة.
وحين أعود من السفر، أجد أن العودة تكشف لي أكثر مما كشفه الرحيل.
فالبيت الذي أرجع إليه، والدفتر الذي أفتحه، والسكون الذي يلفني، كلها مرايا تظهر لي أنني لم أعد الشخص نفسه تماما، لكنني لم أفقد جوهري.
لقد تغيرت في المعرفة، واتسعت رؤيتي، ونضجت تجربتي، لكن جذري ظل ثابتا، كجذر يشرب من كل أرض دون أن ينبت في غير تربته الأولى.
وهنا يكمن الفرق بين أن يتغير الإنسان وأن يتبدل:
فالتغير الذي يصنعه الوعي ينضج الروح، أما التبدل الذي تمليه الرياح فيقتلعها من أصلها.
وهنا أيضا أدركت معنى أن يكون لي جذر لا يهتز، فمهما ابتعدت، ومهما تغيرت بي المواضع، لا أتغير في صميمي.
لا يبدلني مدح ولا ذم، ولا يغرني بريق ولا ترهبني عتمة.
فقد تعلمت أن الإنسان يستطيع أن يغير مكانه دون أن يغير أصله، وأن يمضي بعيدا في الأرض دون أن يفقد الطريق إلى نفسه.
لذلك لا أريد أن أكون ابن المكان الذي حللت به، بل ابن القيم التي حملتها معي.
ولا أريد أن تكون أسفاري قائمة بالأمكنة التي زرتها، بل سجلا لما تركته تلك الأمكنة في روحي، كبذرة توارت في التراب ثم أورقت حين لم يعد أحد ينتظر منها شيئا.
كان القلم رفيقي الذي لا يفارقني أسطر ما تعلمته، وأشهد بما رأيت، وأصوغ ما آمنت به بصدق.
فلا أكتب لأعجب الناس، ولا لأجمع حول كلماتي التصفيق، بل لأكون صادقا مع نفسي، ومع الحقيقة التي رأيتها بعين التجربة.
سأكتب من عمق ما عشت، لا من عمق ما سمعت.
سأقول ما رأيت بصدق، وأصوغ ما عرفت بأمانة، وأثبت على ما علمتني إياه التجربة.
فما ترسخ في نفسي من حقيقة صادقة لا تقتلعها المسافات، وما نبع من تجربة عميقة لا يجففه الزمن.
سأظل أسافر وأكتب، وأكتب وأسافر، لا بحثا عن أرض جديدة فحسب، بل بحثا عن معنى جديد في كل أرض.
فقد طفت الدنيا، وعرفت أن أجمل ما يمكن أن أحمله من أسفاري ليس ما جمعته من الصور، ولا ما حفظته من أسماء المدن، بل ما عدت به إلى نفسي، كطائر يعرف طريق العودة إلى عشه مهما بعد به التحليق.
وبعد كل هذه الطرقات والأسفار، أتساءل:
هل يكفي أن أعبر الأمكنة وأبقي أثري فيها؟
أم أن السفر الحقيقي أن أدع الأمكنة تعبرني، فتخلد أثرها الصادق في روحي؟
بقلم:
د محمد شعوفي
21 سبتمبر 2026م