معلقة الطريق الشائك
الفصل التاسع والأخير
مقدمة وجدانية
في ٱخر الرحلة عدت أنظر إلى الطريق الذي أخشاه .
وقفت أمام الشوك الذي أذى قدمي ،
وأمام الصخر الذي أوقف خطوي،
وأمام الضباب الذي أخفى عني الطريق،
وأمام الوحدة التي حسبتها في أول الأمر خسارة ،
لكنني هذه المرة لم أراها كما رأيتها يوم بدأت ،
رأيتها في الشوك صبرا،
وفي الصخر حكمة،
وفي الضباب بصيرة ،
وفي الوحدة لقاء مع النفس،
وفي طول الطريق فرصة لأصبح إنسانا ٱخر،
عندها انكشف السر .
لم يكن الطريق شائكا ليمنعني للوصول،
بل كان شائكا ليصنع مني من يستحق الوصول.
القصيدة
وعدت إلى الدرب القديم كأنني
اراه لأول مرة وأتأمل
رأيت شويكات الطريق فقلت لها
سقيت خطاي الصبر ، والصبر أجمل
ورأيت صخر الدرب بعد جموده
فقلت بك العقل استنار و يعمل
ورأيت ضباب الدرب فانكشفت لي
حقائق لم أكن لأراها اتأمل
وذكرني درب الوحيد بأنني
إذا لم أصادق نفسي لم أكمل
وأدركت أن اليقين الذي بنيته
بصبري هو الزاد الذي لا يبدل
فما كان هذا الدرب يقصد كسرني
ولكنه كان لروحي منهل
وما كان شوك الدرب إلا معلما
ولا صخره إلا درسا يجمل
وما كان ضباب الطريق سوى يد
تخبئ فجرا ثم ترفعه لنا
وما كان وحدي في المسير خسارة
فقد كان فيها صوت نفسي بسمع
وما كان قصدي أن أصل لنقطة
ولكن أن ألقى الإنسان الذي أحمل
فإن سألوا ماذا وجدت برحلة؟
أقول؛ وجدت النفس، والنفس منهل
وإن سالوا؛ لم الشوك في طريقكم ؟
اقول؛ لكي نعرف من نكون
وإن سألوا ؛ أين النهاية ؟ قلت لهم
نهاية دربي أن أكون كما أريد
وإن سألوا؛ ماذا بقي من السفر ؟
أقول؛ بقي حرف وبقي لي أثر
وإن سألوا؛ من أنت بعد مسيرك؟
أقول أنا الإنسان بعد التجارب
فما عاد الشوك الذي أخشاه
يخيف...ولا صخر الطريق يعطل
ولا عاد ضباب الدرب يحجب غايني
فقد صار في قلبي من النور منهل
وأدركت أن المرء يبنيه دربه
وأن المشقات الكبار لها فضل
فشكرا لدرب كنت أحسبه أذى
لقد صاغ مني ما أراد لي الأمل
وشكرا لكل العثرات التي
أعادت خطاي إذا ما زللت
وشكرا لقلب لم يغادر طريقه
وإن كثرت في دربه المتاعب
فهذا هو السر الذي كان غائبا
عن العين ، لكن في الفؤاد تجلى ؛
لقد كان دربي الشائك الدرس كله ،
وكنت انا في الدرب أبني وأكمل ،
الخاتمة الكبرى؛
وهكذا إنتهت الرحلة ،
لكن الطريق لم ينته
فأنا لا أعود من الطريق كما خرجت منه .
خرجت منه أكثر معرفة بنفسي ،
واكثر إيمانا أن الإنسان لا يصنعه الطريق السهل،
بل تصنعه قدرته أن يواصل حين يصعب الطريق .
لقد علمني الشوك أن أصبر ،
والصخر أن أفكر،
والضباب أن أبصر،
والوحدة ان أسمع،
واليقين أن أثبت،
والذات أن أصدق،
والرسالة أن أعطي،
والأثر أن أبقى في معنى الخير .
وعندما سألت الطريق في ٱخر الرحلة ؛
ماذا كنت تريد مني ؟
لم يجب
لأن الجواب كان قد أصبح في داخلي ،
فابتسمت ومضيت
اذ أدركت أخيرا؛
لم أكن أمشي في الطريق الشائك ...
بل كان الطريق الشائك يمشي بي نحو نفسي.
التوقيع؛
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به وارتد ملتهما
الشاعر محمد علي باني/ تونس