أفكاري لا تنتهي بعد النهاية
أنا لا أنتهي حين ينتهي الكلام،
ولا أموت حين يعلنون موت الحكاية،
ولا أغادر حين يغلقون الأبواب في وجهي،
فأنا لست جسداً يمشي على الأرض فحسب،
أنا سؤالٌ يرفض أن يكون له جواب،
وصرخةٌ تبحث عن حنجرة،
وحلمٌ ينام في صدر إنسان
ليستيقظ في صدر إنسان آخر.
أفكاري لا تنتهي بعد النهاية...
لأن النهاية التي يكتبونها لي
قد تكون بدايةً لم يكتشفوها بعد،
ولأنهم حين يظنون أنني صمتُّ،
أكون قد بدأتُ حواراً طويلاً مع نفسي،
وحين يظنون أنني انكسرت،
أكون أجمع شظايا روحي
لأصنع منها نافذةً جديدة
أطلُّ منها على العالم.
أنا لا أؤمن بالنهايات المطلقة،
فكلُّ نهايةٍ تحمل في رحمها بداية،
وكلُّ سقوطٍ يعلّم الأرض
كيف تنهض الأقدام،
وكلُّ دمعةٍ تسقط من عين إنسان
تروي بذرةً صغيرة
في حديقة الإنسانية.
لكنني أتساءل...
لماذا يخاف الناس من الإنسان الذي يفكر؟
لماذا يريدون للعقول أن تسير في صفٍّ واحد،
وللقلوب أن تنبض بإيقاعٍ واحد،
وللألسنة أن تردّد ما قيل بالأمس،
كأن الحقيقة كتابٌ مغلق،
وكأن العقل موظفٌ عند السلطة،
وكأن الاختلاف جريمة
تستحق أن يُشنق صاحبها
على أعمدة العادات والتقاليد؟
أنا أفكر،
إذن أنا أزعج الذين اعتادوا السكون.
أنا أكتب،
إذن أنا أفتح نافذةً
في جدارٍ أرادوه بلا نوافذ.
أنا أرفض،
ليس لأنني أحبُّ الرفض،
بل لأنني تعبت من رؤية الإنسان
يصفّق لقيوده
ثم يشكو من ضيق يديه.
أفكاري لا تنتهي بعد النهاية...
فأنا ابنُ الأسئلة التي لم تجد إجاباتها،
وابنُ الكتب التي لم تُقرأ،
وابنُ القصائد التي مات أصحابها
قبل أن يسمعوا تصفيق العالم.
أنا ابنُ ذلك الفقير
الذي يقتسم رغيفه مع جائع،
وذلك المظلوم
الذي يرفض أن يتحول إلى ظالم،
وذلك الإنسان
الذي يخسر كلَّ شيء
ولا يخسر إنسانيته.
علّمتني الحياة
أن بعض الذين يرتدون ثياب الفضيلة
يخفون تحتها قلوباً لا تعرف الرحمة،
وأن بعض الذين يتحدثون عن الأخلاق
يحتاجون إلى من يعلّمهم معنى الأخلاق،
وأن بعض الذين يرفعون شعارات الحرية
يرتجفون خوفاً
حين يسمعون رأياً مختلفاً عن آرائهم.
فيا أيها الإنسان،
قبل أن تحاكم أفكاري،
حاكم صمتك أمام الظلم.
وقبل أن تسألني عن معتقداتي،
اسأل قلبك:
هل اتّسع يوماً لإنسانٍ لا يشبهك؟
وقبل أن تنعتني بالجنون،
تأمل هذا العالم قليلاً،
ثم أخبرني:
من المجنون حقاً؟
من يحلم بعالمٍ أكثر عدلاً،
أم من يرى الظلم كلَّ يوم
ثم يتعامل معه كأنه طقسٌ من طقوس الحياة؟
أنا لا أريد أن أكون خالداً في الكتب،
ولا أن يُعلّقوا صورتي على الجدران،
ولا أن يذكروا اسمي في الخطب
بعد أن يتحول جسدي إلى تراب.
كلُّ ما أريده
أن تترك فكرةٌ واحدةٌ مني
إنساناً أقلَّ قسوة،
وأن تجعل قصيدةٌ واحدة
قلباً أكثر رحمة،
وأن تمنح كلمةٌ عابرة
إنساناً يائساً
سبباً آخر للبقاء واقفاً.
فما قيمة أن أعيش ألف عام
إذا لم أترك في هذا العالم
أثراً من نور؟
وما قيمة أن يعرفني الجميع
إذا كنت أجهل نفسي؟
وما قيمة أن أملأ الدنيا كلاماً
إذا كان صمتي أمام المظلوم
أبلغَ من كلِّ قصائدي؟
لهذا أكتب...
أكتب لأن الكلمات أحياناً
آخر ما تبقّى للإنسان
حين تُصادر منه الأشياء.
أكتب لأنني لا أملك مفاتيح السجون،
لكنني أملك سؤالاً
قد يوقظ السجين من الداخل.
أكتب لأنني لا أستطيع
أن أعيد الموتى إلى الحياة،
لكنني أستطيع أن أحفظ أسماءهم
من موتٍ آخر اسمه النسيان.
أكتب لأنني أعرف
أن الحبر يجفّ،
والورق يحترق،
والأصوات تخفت،
لكن الفكرة الصادقة
قد تعبر قروناً كاملة
دون أن تفقد نبضها الأول.
أفكاري لا تنتهي بعد النهاية...
وحين ينتهي صوتي،
لا تبحثوا عني في القبور،
ابحثوا عني في سؤال طفلٍ متمرّد،
في كتابٍ فتحه شابٌّ للمرة الأولى،
في امرأةٍ قررت أن تستعيد صوتها،
في رجلٍ رفض أن يبيع ضميره،
وفي إنسانٍ اختار أن يكون عادلاً
حين كان الظلم أسهل الطرق.
هناك ستجدونني.
لا تمثالاً من حجر،
ولا اسماً محفوراً على الرخام،
بل فكرةً تمشي،
وحلماً يتنفس،
وإنساناً يحاول
أن يجعل من هذا العالم
مكاناً أقلَّ وجعاً.
وإذا سألكم أحدهم يوماً:
متى انتهى هذا الشاعر؟
قولوا له:
لم ينتهِ...
لقد انتهى جسده،
لكن أسئلته ما زالت تمشي بيننا.
لقد صمت فمه،
لكن كلماته ما زالت تحاكمنا.
لقد غاب عن أعيننا،
لكن فكرته ما زالت تطرق أبوابنا.
فأنا لست النهاية التي ترونها،
أنا البداية التي لم تفهموها بعبق
أنا أفكاري...
وأفكاري لا تنتهي. بقام محمد عربي- الجزائر