معلّقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة
الفصل الثاني عشر: الحديبية... حين كان الصلح فتحًا
مقدمة وجدانية
ليس كل انتصارٍ يأتي في ثوب النصر.
أحيانًا يقف الإنسان أمام موقفٍ يبدو في ظاهره تراجعًا، بينما تخبئ الأيام في أعماقه فتحًا لا تراه العيون في لحظته الأولى.
وهكذا كانت الحديبية.
خرج النبي ﷺ وأصحابه يريدون العمرة، لا يريدون حربًا ولا قتالًا، وحملوا معهم شوقًا إلى البيت الحرام، ذلك البيت الذي
عرفوه وطنًا للقلوب قبل أن يكون مكانًا للأجساد.
لكن الطريق أُغلق.
وتوقفت القافلة عند الحديبية.
كان المشهد يحمل مفارقة عجيبة: أناسٌ جاؤوا إلى البيت آمنين، فإذا بينهم وبين البيت مسافةٌ تمنعها قريش.
وكان لا بد من موقفٍ يحفظ الدماء، ويصون الكرامة، ويفتح بابًا للمستقبل.
فجاء الصلح.
ولم يكن الصلح سهلاً على النفوس؛ فقد رأى بعض الصحابة في بعض بنوده ما بدا لهم قاسيًا، وظنوا أن العودة دون دخول مكة صورة من صور التراجع.
لكن القيادة النبوية كانت ترى أبعد من اللحظة.
فالرسالة لا تبحث عن انتصارٍ عابر، وإنما تبني أمةً وتفتح أبواب الدعوة.
وكانت الحكمة هنا أن يعرف الإنسان متى يرفع السيف، ومتى يضعه، ومتى يكون الصبر أقوى من المواجهة.
ثم كشفت الأيام ما لم تره العيون يومئذٍ.
كان الصلح بابًا واسعًا للحركة، وفتحًا في طريق انتشار الدعوة، حتى وصفه القرآن بأنه فتح مبين.
وهنا نتعلم:
أن الحكمة قد تصنع ما لا تصنعه القوة، وأن الصبر على المبدأ لا يعني العجز عن اختيار الطريق الأنسب إليه.
أبيات الفصل
أَتَيْنَا لِبَيْتِ اللهِ نَحْمِلُ شَوْقَنَا
وَلَمْ نَحْمِلِ السَّيْفَ الَّذِي يَتَخَوَّفُ
فَلَمَّا بَدَتْ أَرْضُ الحُدَيْبِيَةِ لَنَا
تَوَقَّفَ رَكْبٌ وَالمَطَامِحُ تَرْهَفُ
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ: نَحْنُ لِعُمْرَةٍ
وَلَا نَبْتَغِي حَرْبًا وَدَمًّا يُسَفَّكُ
فَجَاءَتْ قُرَيْشٌ وَالمَوَاقِفُ أَثْقَلَتْ
وَكُلُّ فَرِيقٍ فِي حِوَارٍ يُوَقَّفُ
فَجَاءَ الصُّلْحُ، وَالنُّفُوسُ كَأَنَّهَا
تُرَاجِعُ فِي أَعْمَاقِهَا مَا تَخَوَّفُ
رَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الشُّرُوطَ مَذَلَّةٌ
وَمَا عَلِمُوا أَنَّ المَآلَ سَيُكْشَفُ
وَكَانَ نَبِيُّ اللهِ أَبْصَرَ بِالغَدِ
وَيَنْظُرُ فِي أُفْقِ الزَّمَانِ وَيَعْرِفُ
فَمَا كُلُّ صُلْحٍ فِي الحَيَاةِ تَنَازُلٌ
وَلَا كُلُّ لِينٍ فِي المَوَاقِفِ يُضْعِفُ
إِذَا كَانَ فِي الصُّلْحِ الحِفَاظُ عَلَى الهُدَى
فَذَاكَ سَبِيلٌ بِالحَكِيمِ يُشَرَّفُ
وَمَا القُوَّةُ الغَرَّاءُ رَفْعُ سُيُوفِنَا
وَلَكِنْ قُوَى الأَخْلَاقِ أَقْوَى وَأَشْرَفُ
وَمَنْ يَمْلِكِ الأَخْلَاقَ حِينَ يَقْدِرُ
يَكُنْ فِي مَقَامِ العَفْوِ أَعْلَى وَأَنْصَفُ
وَمَنْ يَحْفَظِ العَهْدَ الَّذِي قَدْ تَعَاهَدُوا
يَكُنْ فِي عُيُونِ النَّاسِ أَوفَى وَأَشرَفُ
فَمَا كَانَ فِي الحَدِيبِيَةِ انْكِسَارُهُمْ
وَلَكِنْ بِهَا لِلْفَتْحِ بَابٌ سَيُفْتَحُ
وَقَدْ كَانَ فِي الصَّبْرِ الَّذِي ذَاقَ أَهْلُهُ
مَفَاتِيحُ نَصْرٍ لِلْقُلُوبِ سَتَنْجَحُ
وَمَا زَالَ فِي أَخْلَاقِ أَحْمَدَ مَنْهَجٌ
يُعَلِّمُنَا أَنَّ الحَكِيمَ يُفَلِّحُ
إِذَا ضَاقَ دَرْبُ المَرْءِ لَمْ يَسْتَسْلِمِ
وَلَمْ يَجْعَلِ الأَيَّامَ سَيْفًا يُسَلَّحُ
وَلَكِنْ يُرَتِّبْ خُطْوَهُ وَيَرَى المَدَى
وَيَصْبِرْ، فَفَوْقَ الصَّبْرِ فَتْحٌ يُلَوِّحُ
فَيَا حُدَيْبِيَةَ، يَا دُرُوسَ حَكِيمَةٍ
بَقِيتِ لَنَا فِي دَرْبِنَا تَتَوَضَّحُ
عَلَّمْتِنَا أَنَّ السَّكِينَةَ قُوَّةٌ
وَأَنَّ التَّرَوِّي لِلْمَعَالِي يُفَتِّحُ
وَأَنَّ المَبَادِئَ لَا تُصَانُ بِغَضْبَةٍ
وَلَكِنْ بِعَقْلٍ فِي المَوَاقِفِ يَنْضَحُ
وَأَنَّ طَرِيقَ النُّورِ يَحْتَاجُ حِكْمَةً
وَقَلْبًا عَلَى أَخْلَاقِهِ يَتَسَلَّحُ
فَسَارَتْ رُؤَى الإِسْلَامِ فِي الأَرْضِ هَادِئًا
وَفُتِحَتِ الأَبْوَابُ وَالنُّورُ يَفْصَحُ
وَأَدْرَكَ مَنْ كَانُوا يَرَوْنَ تَنَازُلًا
بِأَنَّ الَّذِي ظَنُّوهُ خُسْرًا سَيَرْبَحُ
فَذَاكَ هُوَ الفَتْحُ الَّذِي جَاءَ رَحْمَةً
وَمَا كُلُّ فَتْحٍ بِالسُّيُوفِ يُوَضَّحُ
خاتمة الفصل
كانت الحديبية درسًا في فقه المآلات؛ أن لا يحكم الإنسان على الأحداث من لحظتها الأولى، وأن يترك للعقل مساحةً يرى فيها ما وراء المشهد.
فقد يظن الناس أن الباب أُغلق، بينما يكون الله قد فتح خلفه أبوابًا أخرى.
وهكذا انتقل المسلمون من مرحلة الدفاع والصمود إلى مرحلة أوسع من الانتشار والتواصل والدعوة.
لقد أصبح المجتمع أكثر رسوخًا، وأصبح الطريق أمام الرسالة أكثر اتساعًا.
لكن الرسالة لم تكن تريد أن تبني مجتمعًا قويًا في المدينة فحسب؛ بل كانت تحمل نورًا يتجاوز حدود المكان.
ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة:
مرحلة الرسائل إلى الملوك، واتساع أفق الدعوة، ثم اقتراب اللحظة التي ستعود فيها مكة إلى قلب الرسالة.
وفي الفصل القادم سنقف أمام حدثٍ عظيم:
الفصل الثالث عشر: فتح مكة... حين عاد النور إلى البيت العتيق
وهناك لن يكون المشهد مشهد انتقامٍ من قومٍ أخرجوا النبي
وأصحابه، بل سنقف أمام امتحانٍ أرقى:
ماذا يفعل المنتصر حين يصبح خصمه عاجزًا بين يديه؟
ففي تلك اللحظة ستظهر عظمة الأخلاق المحمدية بأوضح صورها.
التوقيع الشعري
أَنَا ابْنُ حَرْفٍ إِذَا مَا لَامَسَ الأَلَمَ
نَبْضُ الحَنِينِ بِهِ، وَارْتَدَّ مُلْتَهِبَا
الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس