قصيدة بعنوان أخلاقٌ للبيع!
أخلاقٌ للبيع!
من يشتري ضميرًا لم يستعمله صاحبه منذ زمن؟
من يشتري كلمةَ حقٍّ مستعملة،
لم تعد صالحةً للاستعمال أمام أصحاب النفوذ؟
من يشتري وجهًا بلا ملامح،
ولسانًا يجيد قولَ ما لا يؤمن به القلب؟
عندي أخلاقٌ للبيع...
من النوع الفاخر،
لا تصمد أمام المال،
ولا تقاوم إغراءَ المناصب،
ولا ترفض دعوةً إلى مائدةٍ
يُقدَّم فيها الحقُّ مشويًّا
على نار المصالح!
عندي ضميرٌ مستعدٌّ للتنازل،
وشهادةُ نزاهةٍ مختومةٌ بالنفاق،
وقاموسٌ كاملٌ من الكلمات الجميلة:
العدالة،
الكرامة،
المبادئ،
الشفافية،
المواطنة...
كلُّها جاهزةٌ للخطب،
صالحةٌ للمؤتمرات،
مناسبةٌ لافتتاح الندوات،
لكنها، عذرًا،
غير صالحةٍ للاستعمال في الحياة اليومية!
نحن مجتمعٌ يتقن الحديث عن الفضيلة،
ثم يذهب إلى بيته
ليفاوض ضميره على ثمن الخطيئة.
نرفع لافتة الأخلاق بأيدينا،
ونخفي تحت الطاولة
فاتورةَ التنازل.
نُقبّل جبين الحقيقة أمام الناس،
ثم نطعنها في ظهرها
حين تصبح الحقيقة مكلفة!
يا لهذا الزمن!
صار الشريفُ مضطرًّا إلى تبرير شرفه،
وصار الصادقُ مطالبًا بإثبات صدقه،
وصار النزيهُ غريبًا
في وطنٍ يتبادل فيه البعضُ صكوكَ الطهارة
كما يتبادل التجارُ أوراقَ النقد.
أما المنافق،
فله منابرُه،
وله جمهوره،
وله تصفيقٌ طويل
كلما أتقن ارتداءَ وجهٍ جديد.
وأما صاحب المبدأ،
فيُسأل دائمًا:
لماذا أنت معقّد؟
لماذا لا تساير؟
لماذا لا تفهم قواعد اللعبة؟
أيُّ لعبةٍ هذه
التي يكون فيها الصدقُ خسارة،
والكذبُ مهارة،
والخيانةُ ذكاءً اجتماعيًّا،
والوفاءُ سذاجةً لا تليق بالعصر؟
من وضع هذه القواعد؟
من أقنعنا بأن الإنسان الناجح
هو الذي يعرف كيف يتجاوز ضميره
دون أن يترك أثرًا على حذائه؟
من علّمنا أن نُصفّق لمن يملك،
لا لمن يستحق؟
وأن نحترم الكرسيَّ
أكثر مما نحترم الإنسان الجالس عليه؟
يا سادة،
ليست المشكلة أن بعض الناس يبيعون أخلاقهم،
فالسوق لا يخلو من الباعة،
لكن المشكلة الحقيقية
أننا أصبحنا نشتري منهم،
ثم نمنحهم الأوسمة،
ونصنع لهم التماثيل،
ونقدّمهم قدوةً لأبنائنا!
أيُّ مستقبلٍ نعدّ لأطفالنا
حين نعلّمهم أن النجاح أهم من النزاهة،
وأن الوصول أهم من الطريق،
وأن الغاية تستطيع أن تغسل
كلَّ الوسائل القذرة؟
ماذا سنقول لهم
حين يسألوننا:
لماذا كافأتم الكاذب؟
ولماذا عاقبتم الصادق؟
ولماذا تركتم صاحب الحقّ وحيدًا
بينما احتفلتم بمن سرق حقَّه؟
هل سنخبرهم أن الحياة صعبة؟
أن العالم لا يرحم؟
أن المبادئ لا تُطعم خبزًا؟
أم سنعترف،
ولو مرةً واحدة،
أننا خفنا من دفع ثمن الحقيقة،
فأقنعنا أنفسنا بأن الكذب ضرورة؟
أنا لا أطلب منكم أن تكونوا ملائكة،
فالإنسان يخطئ،
ويضعف،
ويتعب،
وقد يسقط في لحظة خوف.
لكنني أطلب منكم
ألّا تجعلوا السقوط فلسفة،
ولا تحوّلوا الخيانة إلى وجهة نظر،
ولا تمنحوا النفاق شهادةً جامعية
في فنّ التكيّف مع الواقع!
فالخطأ الذي نعترف به
قد يكون بداية إصلاح،
أما الخطأ الذي نزيّنه بالكلمات
ونعلّقه وسامًا على صدورنا،
فذلك هو الخراب حين يتعلّم الكلام.
وأنا...
لا أملك قصرًا،
ولا أملك منصبًا،
ولا أملك مفاتيح الأبواب المغلقة،
ولا أعرف كيف أبتسم في وجه من أكره
كي أحصل على ما أريد.
أملك شيئًا واحدًا
أخاف عليه منّي قبل أن أخاف عليه من العالم:
ضميري.
ذلك الكائن الصغير
الذي يسكن أعماقي،
ويوقظني حين ينام الجميع،
ويسألني في نهاية كل يوم:
هل كنتَ عادلًا؟
هل جرحتَ إنسانًا دون حق؟
هل قلتَ ما تؤمن به؟
هل بعتَ الحقيقة كي تربح معركةً صغيرة؟
وإن أجبتُه يومًا بالخجل،
فلا أريد أن أشتري صمته بالمال،
ولا أن أُسكته بتبرير،
ولا أن أُقنعه بأن الجميع يفعلون ذلك.
فليس كلُّ ما يفعله الجميع صحيحًا،
وليست كثرةُ السائرين في الطريق
دليلًا على أن الطريق يؤدي إلى النجاة.
أخلاقٌ للبيع؟
لا...
دعوا بضاعتكم في السوق،
فليست كلُّ الأشياء قابلةً للمساومة،
وليست كلُّ القلوب مستودعاتٍ للمصالح،
وليست كلُّ الرؤوس مستعدةً للانحناء.
هناك أناسٌ قد يخسرون وظائفهم
لكنهم لا يخسرون أنفسهم،
وقد يفقدون أصدقاءهم
لكنهم لا يخونون الحقيقة،
وقد يعيشون فقراءَ في أعين الناس
لكنهم أغنياءُ بما لا تستطيع البنوكُ حفظه.
وهناك من يملك العالم كلَّه،
ثم ينام خائفًا
من سؤالٍ واحد
يطرقه في منتصف الليل:
ماذا بقي منّي
بعد أن ربحتُ كلَّ شيء؟
يا هذا...
لا تخبرني كم تملك،
أخبرني ماذا فعلتَ حين استطعتَ أن تظلم ولم تظلم.
لا تخبرني كم شخصًا يخافك،
أخبرني كم إنسانًا يشعر بالأمان بقربك.
لا ترفع أمامي شهاداتك،
إن كنتَ لا تعرف كيف تمنح الجاهل احترامه.
ولا تحدّثني عن المبادئ،
إن كنتَ تخلعها عند أول بابٍ
تفتحه لك المصلحة.
فالأخلاق ليست ربطةَ عنقٍ
نرتديها في المناسبات،
وليست منشورًا أنيقًا
نعلّقه على جدارٍ افتراضي،
وليست خطبةً طويلةً
نلقيها على مسامع الآخرين.
**الأخلاق أن تكون إنسانًا
حين تمنحك الحياة ألفَ فرصةٍ
كي تكون شيئًا آخر.**
وأما أنا،
فسأبقى أكتب...
لا لأن الكلمات تغيّر العالم دائمًا،
بل لأن الصمت،
حين يصبح شريكًا في الجريمة،
يفقد حقَّه في أن يسمّى حكمة.
سأكتب عن الذين باعوا ضمائرهم،
وعن الذين لم يجدوا من يشتري صمتهم،
عن الذين يرتدون الفضيلة نهارًا،
ويخلعونها ليلًا،
وعن أولئك الذين لا يملكون شيئًا
سوى كرامتهم،
لكنهم يرفضون التفريط فيها.
سأكتب،
حتى لو بقيتُ وحدي،
فليس المهم أن يصفّق لي الجميع،
بل ألّا أحتاج إلى الكذب
كي أستحقَّ تصفيق نفسي.
وفي آخر المزاد،
حين تُطفأ الأنوار،
وتُجمع اللافتات،
وتعود الوجوه إلى وحدتها الأولى،
سيكتشف البائع أن ما باعه
لم يكن مجرّد أخلاق...
لقد باع الإنسان الذي كان يمكن أن يكونه.
**وحين يبيع الإنسانُ إنسانيتَه،
فبأيِّ ثمنٍ يستطيع شراءَ نفسه من جديد؟**
— محمد عربي