بحث هذه المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

Hiamemaloha

أنا رجل للشاعر عبد العزيز الدوسري

 أنا رجلٌ

حينما أنظرُ في وجهكِ

أجدُ نفسي،

وكأنكِ مرآتي

التي أنظرُ فيها كلَّ حينْ.

سيدتي...

أقولُ فيكِ شعري،

وسلّمتُ لكِ أمري،

فإلى أيِّ مدىً تبتعدين؟

وإلى أيِّ بابٍ

تأخذُنا خطى الحنينْ؟

الحبُّ

ليس حكايةَ عشقٍ

تجمعُ بين اثنينْ،

الحبُّ

بيتٌ...

وملاذٌ...

ووطنٌ

لكلِّ العاشقينْ.

وأنا حين أحببتكِ

لم أبحثْ عن امرأةٍ

أعلّقُ صورتَها

على جدارِ العمرْ،

بل بحثتُ عن وطنٍ

إذا تعبتُ من الطريق

أعودُ إليه،

وإذا ضاقَ بي العالم

أرتمي بين يديهْ.

فكوني لي

كما أكونُ لكِ،

ولا تجعلي المسافةَ

تُربّي بيننا

وحشةَ السنينْ.

اقتربي...

فإنَّ قلبي

لم يعد يحتملُ

هذا الغيابْ،

وإنَّ عيني

كلما بحثتْ عنكِ

وجدتْكِ

أبعدَ من السؤالْ.

أنا رجلٌ

لا أجيدُ نصفَ الحب،

ولا أعرفُ كيف

أحبُّكِ قليلًا

ثم أنصرفْ.

إذا أحببتُ

أعطيتُكِ قلبي،

وأغلقتُ أبوابَ الخوف،

وكتبتُ اسمكِ

على الجهاتِ الأربعْ.

فلا تسألي

كم أحبُّكِ...

فالحبُّ عندي

ليس رقمًا

ولا قصيدةً تنتهي

عند آخر السطرْ.

الحبُّ عندي

أن أراكِ

حين لا أراكِ،

وأن أسمعَ صوتكِ

في صمتِ المساءِ،

وأن أفتّشَ عنكِ

في كلِّ امرأةٍ

فلا أجدُكِ

إلا فيكِ.

سيدتي...

إن كنتِ مرآتي

فلا تكسري صورتي،

وإن كنتِ وطني

فلا تطرديني

إلى المنافي.

تعالي...

ضعي يدكِ في يدي،

ودعينا ننسى

كلَّ ما قالته المسافاتْ.

فأنا لا أريدُ حبًّا

يمرُّ بنا

ثم يمضي،

أريدُ حبًّا

إذا دخلَ القلبَ

أقامْ...

وأريدُكِ أنتِ

بيتًا لا أرحلُ عنه،

ووطنًا

لا أُفتّشُ بعده

عن وطنْ.


قاسم عبد العزيز الدوسري


اقرء المزيد
Hiamemaloha

سيدة الأصابع للشاعرة سعيدة لفكيري

 سيّدةُ الأصابعِ  


ترسمُ على الجلدِ أغنيةً

وتحوِّلُ الصمتَ إلى زخارفَ


حين تمرُّ يدُها  

يصبحُ الجسدُ كتابًا

تقرأهُ العيونُ  

في ليلةِ عرسٍ أو فرحٍ عتيق


يا نقاشةَ الحناء

يا شاعرةَ الألوان

أنتِ التي تجعلينَ من اليدِ قصيدةً 

ومن الحناءِ تاجًا يليقُ بالبهجة


فنّانةٌ تُطرِّزُ بالروحِ وردًا

وتسكبُ فوق الأيادي عبيرَ السلام


وصوتُ الحداء يرافقُ النقشَ طربًا

كأنَّهُ نايٌ يوقظُ الأحلام


الحناءُ ليستْ لونًا فحسب

إنها ذاكرةُ الأرضِ حين تُزهرُ في اليدين


تُشعلُ في الأصابعِ نهرًا من الزخارف

وتُحوِّلُ الجسدَ إلى ساحةٍ من الفرحِ والضياء


النقاشةُ، سيّدةُ الفنِّ 

تُعلِّمُ الحناءَ كيف تُغنّي

وكيف يُصبحُ الكفُّ مرآةً للبهجة


الحناءُ هي تاجُ العروس

وعطرُ الجدّات

ووشمُ الفرحِ الذي لا يزول.  


بقلم سعيدة لفكيري 

نشر يوم 18/08/2026

اقرء المزيد
Hiamemaloha

إياك ياولدي ثم إياك للشاعر محمد شايب

 اياك يا ولدي ثم اياك ....

أن تعشق امرأة في قلبها حب رجلا محفور 

ولو كانت من سلالات العطر ومن عبق الزهور 

تبني لها الوداد وهي بين أطياف الماضي تدور

تناديها فيرتد الصدى كانك  طيف بلا حضور

وتسكب الشوق في كاسها وعقلها لسواك مأسور 

لا تنخدع بالعطر أن فاح فبعض الزهر مقبرة لطيور 

وان صدى الحب القديم يهدم ما ابتنته دهور

ستتجرع معها مرارة الروح في خلجات الصدور 

وتعيش في اوهامها غريبا كسير مهجور 

تصاب معها ولو بعد حين بنوبات ملل وفتور 

وستعيش معها الجحيم وترجع رجلا دليلا مقهور 

ولن ينفع بعدها معك لطب العطارين ولارقية و بخور 

فافرش طريق سعادة بعقلك ليسهل لقلبك المرور 

اياك يا ولدي ثم اياك....

من امرأة تعشق السهرات والأضواء وحب الظهور 

ونفر من كل امرأة حسناء أصابها الكبر والغرور 

فالحسن يدوى تمحو الايام بهاء و يصبح منثور 

ويبقى الصفاء والنقاء في الروح كالذهب العثور

ما جدوى وجه القمر إن كان خالي من الشعور 

ويمسي الوصال بينكما كانه سجن كبير وسور 

فالمودة في صفاء الود لا في زخرف القصور

والانس في حنان يسكب الامان في الصدور 

تلك الحرة التي تصون الود في الصمت والستور 

لاتبيع سر القلب لاعين الناس ولاتتبع الفجور 

ترى الحياء زينتها ....والعفة سورها المستور

والأضواء تخبو ادا انقضى الليل والسحور 

ويبقى الأصل ثابتا كالجبال على مر العصور 

فابحث عن امرأة أن غبت عنها شعرت بالفتور 

ترى الحياة بدون نظرتك ظلاما يلفه الدجور 

امرأة تحلق في زرقة سماء عينيها مثل العصفور 

إن غبت عنها رايت اللهفة في عينيها بالحضور 

ابحث عن امرأة تشعر معها بطعم سعادة وسرور 

ابحث فيها عن عراقة الأنساب وأصالة البدور

ابحث عن امرأة بأرض عينيها تخلد سلالات وجدور 

ابحث عن امرأة في بحر عينيها تكتب اشعار وسطور 

تلك التي أن تبسمت اورقت في المدى البحور

وان سكتت سمعت في صمتها عزف الطيور 

لا خوف يرافق قلبها ...ولاحزن بخالج الصدور

تلك التي في طرفها الموج والإلهام يمور ويثور

تلهم الروح المظلمة قوافي من خالص النور 

تقرأ في ناظريها دواوين هوى وعشق مهجور

ويستكين لديها القلب الحزين القلق الممطور 

تلك التي تجعلك في عرش قلبها الملك المنصور 

لا شريك لك في سرها ...ولا في حلمها المستور 

اراك الحياة كلها ....والأمان في كل العصور 

تهبك الوفاء غضا خالص بلا نفاق أو زور 

تطيب بقربها الايام وتزهو بها الدهور 

تلك التي تستحق الروح ...وتبني معها الجسور

فاحفظ ودادها وان ظفرت بها فأنت المظفور 

فمثلها يا ولدي ....امل يضيء العمر ونور 

وصعبا عليك بعدها في الوجود حصول و عثور 

محمد شايب 

18/08/2026


اقرء المزيد
Hiamemaloha

نظرة للشاعر معز ماني

 نظرة ...

نظراتك ابتسمت فسال عبيرها  

في القلب حتّى أورقت آماله

ليست حروفا قد تقال بيانها 

بل سرّ روح همسها أقواله

لغة العيون إذا تكلّم صمتها 

أفصحت عن سرّ وخان مقاله

ما بين طرفك والزمان حكاية 

سطّرتها الأرواح في إنزاله

يا ومضة إن لاح برقك مرّة 

أطفأت نار الحزن في أوصاله

قد قيل إنّ الحبّ يبدأ نظرة  

وأنا شهدتك فاتحا أغلاله

كم عين من يبصر ولكن غافل 

لم يدر أنّ النور في إقباله

وكم البصائر قد عميت عن وعيها  

والعين في وهم الضّلال تجاله

أما القلوب إذا رأتك بصفوها 

رأت الحقيقة في ختام مجاله

في آخر النّفق الطويل بشارة 

من آمنوا أنّ العلا أمثاله

نظرة تعانق نظرة فتصاهرا  

وتجمّعا فتشابهت أفعاله

هي سكرة في الحبّ تخرس ناطقا  

وتذيب في عمق السّكون جداله

يا زهرة لو جئت أقطف وردها  

مات الجمال وغاب عنّي طلاله

دعها تمتّع بالعبير حواسّنا 

فالخد في روح الهوى مجراه

عيناك أوطاني وموئل راحتي 

وسكن قلبي والفؤاد مجاله

فيهم سكوت ناطق ولطيفه  

يسبي العقول إذا غدا تمثاله

ملأت كؤوس الشوق في أحشائنا 

ثملت أرواحنا وغدا ارتحاله

فإذا ابتسمت ففجر صبح لاح في 

آفاقنا وإذا غضبت فعاله

والقمر يسهر حين يسمع صوتكم  

والليل يرقص إن بدا سرداله

أنت الجمال وأنت سحر كواكب  

ما زال يسكن مهجتي وفؤاده ...

                                                 بقلم : معز ماني . تونس .


اقرء المزيد
Hiamemaloha

ق.ق فوق السحاب للكاتب طارق الحلواني

 فوق السحاب ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

كان أبوه ضابطا في الجيش.

في بيتهم، لكل شيء مكان وموعد. الحذاء إلى جوار السرير، البطانية مشدودة بلا ثنايا، الإفطار في السابعة، والغداء في الثالثة. حتى الشباك كان له موعد؛ يُفتح صباحا ويُغلق قبل النوم.

كان أبوه يعود من عمله، يخلع حذاءه عند الباب، يضعه في مكانه، ثم يمر بعينيه على الغرفة.

ـ سريرك.

فيقوم مروان بتعديله.

ـ الشباك.

فيغلقه.

كان يحب أباه، ويعرف أنه رجل مستقيم لا يقصد إلا أن يربيه كما تربى هو. لكن شيئا في داخله كان يضيق كلما سمع كلمة "لازم".

وحين ينام أبوه، كان مروان يعيد فتح الشباك.

يجلس على حافته، يضع ذقنه فوق ساعديه، وينظر إلى الشارع.

لم يكن يفعل شيئا.

فقط يتنفس.

كان يشعر أن الدنيا، خلف ذلك الشباك، أوسع من البيت.

كبر مروان، وكبر معه ذلك الإحساس.

لم يصبح متمردا، ولم يخرج عن النظام. التحق بوظيفة حكومية، يحضر في موعده، ينهي عمله، ويغادر في هدوء. لكنه كان يكره الأسئلة التي تبدأ بـ "ليه" وتنتهي بـ"إمتى؟".

كان يرى في كثرة الأسئلة بداية قيد.

في الإدارة، لم يكن أحد يعرف ذلك.

بالنسبة إلى زملائه، كان موظفا هادئا، قليل الكلام، يشرب قهوته ببطء، وأحيانا يسرح بعينيه في النافذة كأن شيئا في الخارج يناديه.

أما سلمى فكانت تجلس أمامه.

لم تكن أكثر نساء المكتب جمالا، لكن مروان كان يلاحظها بطريقة لا يلاحظها بها الآخرون.

خصلة شعر تفلت من مشبكها حين تنحني فوق الأوراق.

طريقة إمساكها بالقلم.

ضربات الملعقة الخفيفة داخل كوب الشاي.

ذات صباح رفعت رأسها فجأة، فوجدته ينظر إليها.

ـ هو أنا عندي حاجة غريبة؟

ارتبك.

ـ ليه؟

ـ عشان إنت بتبص لي.

ابتسم.

ـ يمكن عشان بحب أشوفك.

ضحكت.

ـ وبعدين؟

هز كتفيه.

ـ مفيش بعدين.

عادت إلى أوراقها، لكن الجملة ظلت معها.

بعد أيام أعلنت الإدارة عن رحلة للعاملين.

امتلأ المكتب بالكلام عن الأتوبيس والطعام وموعد العودة.

لم يهتم مروان كثيرا.

حتى سمع اسم سلمى بين المسجلين.

رفع رأسه.

ثم ذهب وسجل اسمه.

في صباح الرحلة، جلست سلمى إلى جوار النافذة.

صعد مروان، بحث عن مقعد، فوجد المكان الوحيد الفارغ بجوارها.

توقف لحظة.

ثم جلس.

تحرك الأتوبيس.

تراجعت المدينة خلف الزجاج: عمارات، محال، إشارات، ثم شوارع أوسع.

قالت سلمى وهي تنظر إلى الطريق:

ـ إنت مبسوط؟

ابتسم.

ـ مستني الرحلة دي من زمان.

ـ ليه؟

نظر من النافذة.

ـ عشان الطريق لما يفضى.. الواحد بيعرف يتكلم.

نظرت إليه.

ولم تعرف لماذا شعرت أن الرحلة بالنسبة إليها بدأت قبل أن يصلوا إلى أي مكان.

خرج الأتوبيس من زحام المدينة.

اختفت العمارات، وامتدت الأرض على الجانبين. في المقاعد الخلفية ارتفعت الأغاني والضحكات، وانفتحت أكياس الطعام قبل موعدها. أحد الموظفين كان يوزع زجاجات المياه، وطفل يصر على الوقوف في الممر كلما أجلسته أمه.

ظلت سلمى تنظر من النافذة.

قالت:

ـ إنت فعلا غريب.

ابتسم مروان.

ـ ليه؟

ـ بحس إنك موجود معانا، بس دماغك في حتة تانية.

نظر إلى الطريق.

ـ يمكن عشان أنا طول عمري بحاول أهرب.

ـ من إيه؟

ـ من كلمة "لازم".

ضحكت.

ـ للدرجة دي؟

سكت قليلا.

ـ أبويا كان ضابط جيش. كل حاجة عنده لها وقت ومكان. السرير يتظبط، الجزمة تتلمع، النوم له ميعاد، والخروج له ميعاد.

ثم ابتسم:

ـ حتى الشباك كان له ميعاد.

ـ الشباك؟

ـ أيوه. كان بيقفله قبل ما ينام.

نظرت إليه.

ـ وإنت؟

ـ كنت أفتحه بعد ما ينام.

ضحكت.

ضحك معها.

ـ وأقعد أبص للشارع.

ـ بتعمل إيه؟

ـ ولا حاجة.

ثم أضاف:

ـ بس كنت بحس إن الدنيا أكبر من البيت.

سكتت سلمى.

لم يكن يحكي عن أبيه بحقد. كان يتحدث عنه كما يتحدث المرء عن شيء قديم مازال يسكنه.

بعد ساعة، توقف الأتوبيس في استراحة.

نزل الموظفون دفعة واحدة. أصوات أبواب السيارات، ضحكات، أكواب قهوة، وأكياس تتفتح.

وقف مروان أمام الكشك ثم عاد بكوبين.

ناولها أحدهما.

ـ معلقة واحدة سكر.

نظرت إليه.

ـ إنت فاكر؟

ـ أنا بفتكر الحاجات الصغيرة.

شربت رشفة.

لم تقل شيئا.

عادا إلى الأتوبيس.

وبعد قليل وصلوا.

كان المكان مفتوحا والهواء أخف من هواء المدينة. انتشر الموظفون في مجموعات صغيرة، وبدأت الصور والضحكات.

ابتعدت سلمى قليلا.

وجدت مروان واقفا أمام البحر.

اقتربت.

ـ مش بتحب الزحمة؟

ـ بحب الناس.

ـ أمال واقف لوحدك ليه؟

ـ عشان أسمع البحر.

نظرت إلى الماء.

ـ وبتسمع إيه؟

قال:

ـ حاجة من غير تعليمات.

ضحكت.

هبت نسمة قوية، فرفعت شعرها بيدها وأعادته خلف أذنها.

نظر إليها مروان.

قالت:

ـ إنت بتبص لي تاني.

ـ أيوه.

ـ ليه؟

ـ عشان المنظر حلو.

خفضت عينيها.

ثم سألته:

ـ هو إنت عمرك حبيت؟

ـ أنا بحب طول الوقت.

ـ أقصد بجد.

فكر قليلا.

ـ أيوه.

ـ وعايز إيه من الحب؟

نظر إلى البحر.

ـ ولا حاجة.

التفتت إليه.

ـ ولا حاجة؟

ـ مش عايز أملك حد، ولا حد يملكني. مش عايز أقول لحد: إنت بتاعتي. ولا أحب حد عشان لازم يبقى معايا.

ـ طب والجواز؟

ـ ممكن.

ـ ممكن إيه؟

ابتسم.

ـ ممكن.. لو ما بقاش قيد.

ظل الصمت بينهما لحظات.

ثم قال:

ـ أنا نفسي أحب واحدة تقدر تقعد جنبي من غير ما تسألني بكرة هنكون إيه. واحدة ما تخافش من إن الحب يتغير. تسيبه ياخد شكله لوحده.

نظرت إليه.

كان يتكلم بهدوء، بلا محاولة لإبهارها.

ثم بدأ يصف المرأة التي يحلم بها.

ضحكتها حين تحاول إخفاءها.

خصلة شعرها حين تنشغل.

طريقتها في الإمساك بالكوب.

صمتها عندما تتعب.

بدأت سلمى تنظر إليه أكثر مما تنظر إلى البحر.

كل تفصيلة كان يقولها تقترب منها.

قالت:

ـ إنت بتتكلم عني؟

نظر إليها.

لم يجب.

لم يحتج إلى الإجابة.

شعرت بدفء يصعد إلى وجهها.

لأول مرة، لم تشعر أنها مجرد موظفة تجلس خلف مكتب.

كانت امرأة يراها رجل من الداخل.

وفي تلك اللحظة، بدا لها أن الكلام يمكن أن يكون مكانا يعيش فيه اثنان.

ناداهم صوت من بعيد:

ـ يا مروان! يا سلمى!

التفتا.

ابتعدت خطوة.

لكنها ابتسمت.

في طريق العودة جلست إلى جواره.

لم يتحدثا كثيرا.

كانت تنظر إليه من وقت لآخر، ثم تعود إلى النافذة.

وحين ظهرت أضواء المدينة، قال مروان:

ـ أجمل حاجة حصلت النهارده إني اتأكدت إن الحاجة اللي كنت بدور عليها موجودة.

نظرت إليه.

انتظرت أن يكمل.

لكنه اكتفى بالابتسام.

توقفت الحافلة أمام مبنى الإدارة.

نزل الجميع.

ومضى كل واحد إلى بيته.

أما سلمى، فظلت طوال الطريق تفكر في كلامه.

كانت تظن أن الرحلة انتهت.

لكن بالنسبة إليها..

كان شيء آخر قد بدأ.

في صباح اليوم التالي، وصلت سلمى إلى المكتب قبل الجميع.

وضعت حقيبتها، رتبت الأوراق، ثم رفعت عينيها إلى الباب.

دخل مروان.

ابتسم.

ـ صباح الخير.

ـ صباح النور.

انتظرت.

جلس إلى مكتبه، فتح جهاز الكمبيوتر، وبدأ العمل.

ظلت تراقبه من طرف عينها.

ربما ينتظر خلو المكان.

مر الصباح.

ثم جاء الظهر.

لا شيء.

في اليوم التالي، لا شيء أيضا.

وفي الثالث، بدأت تسأل نفسها: ماذا كان يقصد؟

كانت تنتظر خطوة بسيطة.

مكالمة.

دعوة إلى قهوة.

حتى سؤالا عن الرحلة.

لكنه عاد إلى عادته القديمة؛ نظرات هادئة، ابتسامة، وهدوء طويل.

كأن شيئا لم يتغير.

اقتربت منه ذات مرة.

ـ مروان، فاكر كلامنا في الرحلة؟

رفع عينيه.

ـ طبعا.

ـ وبعدين؟

ابتسم.

ـ ولا حاجة. الكلام كان حلو.

عادت إلى مكتبها.

في ذلك اليوم فتحت ملفا وأغلقته أكثر من مرة. كتبت رقما خطأ في جدول، ثم مسحته. وعندما جاء وقت الانصراف، وجدت نفسها واقفة أمام الباب تنتظر أن يناديها.

لم ينادها.

بدأ شيء ما بداخلها يبرد.

لم تكن تريد وعدا كبيرا.

كانت تريد أن تعرف فقط: ماذا يريد منها؟

مرت أيام أخرى.

ثم قالت له:

ـ ممكن نتكلم؟

جلسا في نهاية الممر، قرب نافذة تطل على موقف السيارات.

قالت:

ـ إنت قلت لي كلام كتير في الرحلة.

ـ عارف.

ـ وأنا صدقته.

نظر إليها.

ـ وأنا كنت صادق.

ـ عارفة.

سكتت لحظة.

ـ طيب.. وبعدين؟

ـ وبعدين إيه؟

ـ إحنا إيه؟

خفض عينيه.

ـ إحنا.. اتكلمنا.

خرجت منها ضحكة قصيرة.

ـ بس؟

رفع رأسه.

ـ سلمى، أنا مش عايز أفسد الحاجة الحلوة اللي بينا.

ـ بإيه؟

ـ لما نحط لها اسم.. وميعاد.. والتزامات.

ـ وإنت عايز إيه؟

فكر قليلا.

ـ عايز أفضل أحبك.

ـ وأنا؟

ـ تحبيني.

ـ وبعدين؟

ـ مفيش بعدين.

نظرت إليه طويلا.

ثم قالت:

ـ إنت مش عايز تحبني أنا.

تغير وجهه.

ـ أمال؟

ـ إنت عايز تحب الست اللي رسمتها في دماغك.

سكت.

قالت:

ـ أنا مش صورة يا مروان.

نهضت.

وقبل أن تبتعد قالت:

ـ ولا الحب إن الواحد يفضل يعيش الخيال طول عمره.

مضت.

ظل مروان جالسا.

بعد أسابيع طلبت سلمى نقلها إلى قسم آخر.

لم يسألها لماذا.

عرف من أحد الزملاء أن خطبتها تمت.

في مساء هادئ، بقي مروان وحده في المكتب.

أغلق جهاز الكمبيوتر، وأطفأ المصباح.

لم يبق إلا ضوء الشارع يتسلل من النافذة.

تذكر الرحلة.

الطريق.

البحر.

الهواء.

ضحكتها.

ثم تذكر المرأة التي وصفها يومها.

كانت لا تزال هناك.

لم تتغير.

لم تغضب.

لم تتركه.

كانت كما رسمها تماما.

ابتسم.

ثم توقف.

لأول مرة، لم تعجبه الفكرة.

فتح النافذة.

دخل هواء الليل.

وقف أمامها طويلا.

وتذكر أباه.

السرير المرتب.

الحذاء في مكانه.

الشباك الذي كان يغلقه كل ليلة.

ابتسم ابتسامة باهتة.

طوال عمره كان يهرب من القيود.

لكنه لم ينتبه أنه صنع لنفسه قيدا آخر.

قيدا بلا جدران.

كان لا يزال يحب سلمى.

لكن المرأة التي يحبها..

لم تعد موجودة إلا في خياله.


طارق الحلوانى 

أغسطس ٢٠٢٦

اقرء المزيد
Hiamemaloha

رسمتك للشاعر محمد فاتح

 رسمتك في كل المداشر طيفا

فصلا جميلا 

ربيعا يحتويني 

وعلى الشواطئ يرمينا صيفا 

 أناجيه في الخلوات 

أناني أنا

ولا أقيم على ما لغيري صفا  

وحدي أسمع همس صوتك

أغار عليك من خشخشة خطواتي

 أحلامي تتراقص  معك فراشات

تراقص على كل زهرة لاتنام ولاتأبه بالآت،

 في كل يوم.. 

يتردد صدى صوتك على مسامعي 

تهتز مشاعري

 يتبدد حلمي يسكنني خوفا

 ولو طالت ليلاتي

رغم البعد ألملم جراحي

يميتني  الشوق

 فأعاتب لساني: ماذا اقترفت  من الزلات 

في غيابك

 أقرض فيك أجمل الأشعار 

وأرسم أبهى العبارات 

وفي الحضور أذوب خجلا 

يموت فيّ الشاعر

 و تتبعثر كلماتي 

غريق في بحر عينيك

 هائم أجول بين زقاق الذكريات 

أيا ممسكا خيوط عشقي

 دع حبال الود ممدودة حتى تتحقق أمنياتي.....


🌹🌹محمد فاتح 🌹🌹

اقرء المزيد

الاثنين، 17 أغسطس 2026

Hiamemaloha

صمت الصحراء للشاعر محمد أكرجوط

 - صمت الصحراء -

رمل... 

بكل وقار اصفراره 

يمتد...يزحف 

إلى ما لا نهاية

وفي صمته كناية

مع كل فجر بداية

تشكلها كثبان شبح

الرياح...

كطفل  يهوى الخربشات 

لتشكيل احلامه 

ويمحيها  بتلابيب أكمامه 

وكأنها فراشات

هناك...بعيد في أفق 

بلا مدى

وهنا...قاب قوسين

من الخطى

موت في قيلولة

وسط الرمال

وبين الاحراش 

وفي ظل الحجر

اعينها صاحية

لتوزيع لذغات قاتلة

تلامس نعومة الهباء

تداعب زحف الرمال

ببريق السراب

وحر قيظ النهار

وجليد الليل

وقد فقدت الوجهات بوصلتها 

بتغير الإتجاهات 

وانمحاء المسارات 

لا شيئ يتمسك به

سوى زحف رمال

دائمة الترحال

بيداء...

تجمع فيها الصمت

وانتفى فيها الغيث

لا يسمع له صدى

 سوى لسعات الريح

وهي تراقص الكثبان 

بلا كلل

في رحلة أبدية...

   - محمد أكرجوط  -

البيضاء/المغرب


اقرء المزيد