
معلقة رحلة القلم للشاعر محمد علي باني
معلّقة رحلة القلم
بقلمي الشاعر محمد علي باني
سيرةُ شاعرٍ بين مكتبة الوالد والطبيعة والآلة والتجارة
ما كنتُ أدري يومَ شبَّ صِبايَ
أنَّ الحروفَ ستستبيحُ فؤادي
كنتُ الصغيرَ ألوذُ بالكتبِ التي
في مكتبةِ الوالدِ كانتْ مرادي
أمشي إليها كالعطاشى كلما
نادَ الكتابُ فكنتُ خيرَ منادي
أفتحُ دفاترَها وأقرأُ سطرَها
فأرى الحياةَ وراء كلِّ مدادِ
والوالدُ الشيخُ الذي ربّى لنا
عقلًا، وكان منارةَ الإرشادِ
في مكتبتهِ تعلّمتُ أنَّنا
نحيا بعلمٍ لا بعيشٍ عادي
وغدوتُ أقرأُ في الوجودِ كأنني
أصغي إلى سرٍّ بغيرِ كلامِ
وأطيلُ في صمتِ الطبيعةِ نظرتي
وأعودُ منها بالخيالِ الزاخرِ
أرعى النجومَ إذا تلألأ ليلُها
وأرى القمرَ الساري بغيرِ عنادِ
والغصنُ يكتبُ للنسيمِ قصيدةً
والطيرُ ينشدُ فوقهُ إنشادي
والوردُ يفتحُ للعبيرِ رسائلاً
والصبحُ يوقظُ في المدى ميلادي
والبحرُ يفتحُ للعيونِ كتابَهُ
فتفيضُ منهُ خواطري ومِدادي
فكأنني بينَ الطبيعةِ شاعرٌ
يستخرجُ المعنى من الأبعادِ
حتى رأيتُ الآلةَ الكبرى التي
فيها من الأسرارِ ألفُ مرادِ
فلامستُ الحديدَ، وخضتُ في
أسرارِ محرّكِها بوعيِ مجاهدِ
علّمتني الآلةُ أنَّ لكلِّ شيءٍ
نظمًا، ولكلِّ خللٍ ميعادِ
فإذا تعثّرَ في المسيرِ جهازُها
بحثتُ عن الخللِ الدفينِ بعينِ هادِ
وعرفتُ أنَّ دقّةَ الصنعِ التي
فيها حياةُ الآلةِ لا تُعطى سدى
فصرتُ أرى في كلِّ ترسٍ حكمةً
وفي دورانِه نظامَ اجتهادي
ثم التجارةُ فتّحتْ لي عالمًا
فيه الوجوهُ مرايا كلِّ بلادِ
دخلتُ أسواقَ الحياةِ فوجدتُها
مدرسةً أخرى من التجاربِ زادِ
عرفتُ فيها الناسَ، واختبرتُ المدى
ورأيتُ صدقَ المرءِ بينَ ودادِ
في السوقِ قابلتُ الوجوهَ فبعضُها
صدقٌ، وبعضُ الناسِ أهلُ فسادِ
ورأيتُ من يجعلُ التجارةَ حيلةً
ورأيتُ من يمضي بعهدٍ هادي
فعرفتُ أنَّ المرءَ يُعرفُ موقفًا
لا بالثيابِ ولا بريقِ نقادِ
وتعلّمتُ أنَّ الرزقَ بابٌ واسعٌ
لكنَّ أخلاقَ الرجالِ عمادُ
فالغنى ليسَ الذي تراهُ يدُ امرئٍ
إنَّ الغنى في حكمةٍ وسدادِ
وجمعتُ من كتبِ أبي ومن المدى
ومن الطبيعةِ والحديدِ حصادي
ومن التجارةِ ما أضافتْ خبرةً
فغدتْ تجاربي حروفَ مدادي
ومضتْ سنونُ العمرِ بينَ تجاربي
والقلبُ يحملُ من مداها زادي
ما كنتُ أطلبُ في الحياةِ قصيدةً
لكنَّها كانتْ تهيّئُ مدادي
فالكتبُ كانتْ أولَ الدربِ الذي
أهدى إلى روحي مفاتيحَ الهدى
والطبيعةُ الخضراءُ علّمتْ مهجتي
أنَّ الجمالَ رسالةُ الأبعادِ
والآلةُ الصمّاءُ علّمتْني أنَّ في
صمتِ الحديدِ حكايةَ الأجوادِ
والسوقُ علّمني بأنَّ وجوهَنا
كتبٌ، وفي أعماقِها أسرارُ
حتى إذا نضجتْ سنونُ مسيرتي
عادَتْ طفولتي إلى ميعادي
ورأيتُ مكتبةَ الوالدِ مرةً
فكأنني أُبعثتُ من رُقادي
والرفُّ يحملُ من زماني شاهدًا
والكتابُ يعرفُ خطوتي ومرادي
وهناكَ أبصرتُ القلمَ فوقَ الطاولةِ
فارتجَّ في صدري صدى ميلادي
مددتُ كفّي نحوهُ، فتذكّرتْ
روحي لياليَ مطلعي وسهادي
فإذا بهِ ليسَ الجمادَ كما أرى
بل كانَ حيًّا في صميمِ فؤادي
قالَ: الطريقُ طويلُهُ قد علّمتْ
أيامُهُ الإنسانَ معنى الزادِ
فاجعلْ من الآلامِ حبرَ قصيدةٍ
واجعلْ من الآمالِ نورَ مدادِ
واكتبْ، فإنَّ الحرفَ يبقى شاهدًا
حينَ الرفاقُ يغادرونَ النادي
واكتبْ، فإنَّ العمرَ يمضي عابرًا
والحرفُ يبقى حافظَ الأبعادِ
فأجبتُهُ: يا قلمي، أنتَ الذي
رافقتَني في صحوتي ورقادي
ما كنتُ أبحثُ عن قصيدةِ شاعرٍ
بل كنتُ أبحثُ في القصيدةِ عنّي
فوجدتُني بينَ السطورِ كأنني
طفلٌ يعودُ إلى أبيه وينادي
ووجدتُ كلَّ مراحلِ العمرِ التي
عبرتْ، تصيرُ قصيدةً بمدادي
فمكتبُ الوالدِ كان أولَ مشعلي
والكتبُ كانتْ روضةَ الإنشادِ
والطيرُ والبحرُ والطبيعةُ علّمتْ
عيني قراءةَ حكمةِ الأجوادِ
والآلةُ الصمّاءُ كانتْ مدرسةً
علّمتْ يدي معنى النظامِ الجادِ
والسوقُ كانَ معلمًا في دربِنا
أهدى إليَّ تجاربَ الأفرادِ
فجمعتُ كلَّ روافدٍ في مهجتي
وصغتُها شعرًا بغيرِ نفادِ
إن ضاعَ منّي كلُّ شيءٍ في غدٍ
يكفينيَ أن يبقى الحرفُ شاهدًا
إن غابَ صوتي، فالأوراقُ تنطقُ لي
وتقولُ: كان هنا ابنُ هذا الوادي
ما الشعرُ عندي زينةٌ في مجلسٍ
أو لعبةٌ تُلقى على الأسماعِ
الشعرُ عندي رحلةُ الإنسانِ في
دربِ الحياةِ، ومَرآةُ الفؤادِ
هو أن ترى في كلِّ تجربةٍ لنا
معنىً يضيءُ عتمةَ الأبعادِ
هو أن تحوّلَ ما رأيتَ إلى رؤى
وتعيدَ صياغةَ نبضِ كلِّ فؤادِ
هو أن يكونَ الحرفُ عهدًا صادقًا
لا أن يكونَ وسيلةَ الأمجادِ
أنا ابنُ حرفٍ إذا ما لامسَ الألمَ
نبضَ الحنينُ بهِ وارتدَّ ملتهِما
أنا ابنُ مكتبةٍ صنعتْ طفولتي
وأنا ابنُ تأملِ غيمةٍ ووهادِ
أنا ابنُ آلةِ حرفةٍ علّمتني
أنَّ الحياةَ تقومُ بالإنجادِ
وأنا ابنُ سوقٍ علّمني أنَّنا
نحيا بتجربةٍ وبالأخلاقِ
واليومَ أجمعُ ما تبعثرَ من دمي
وأعيدُ صياغةَ رحلةِ الأجدادِ
لا كي أقولَ: أنا صنعتُ قصيدةً
بل كي أقولَ: القصيدةُ صنعتْني
فإذا سألتم عن مسيري كلِّهِ
من أينَ بدأ؟ وأينَ صارَ مرادي؟
فالحرفُ كانَ رفيقَ أولِ خطوتي
والقلمُ كانَ رفيقَ آخرِ زادي
وإذا انقضى عمري، فإني تاركٌ
بينَ الورى أثرًا من الأبياتِ
قد علّمتني الحياةُ أنَّ حقيقتي
ليستْ بما ملكتْ يدايَ من العتادِ
بل في حروفٍ صغتُها من تجربتي
وتركتُها للأجيالِ بعدَ مماتي
يا قلمي، يا صاحبَ الدربِ الذي
ما خنتَ عهدَ الصدقِ في أبعادي
إن خانني جسدي، فحرفي شاهدٌ
وإذا انقضى عمري، فحرفي باقِ
وسأتركُ القلمَ الذي رافقَ الصبا
حرًّا يواصلُ بعديَ الإنشادِ
فإذا سكتُّ، تكلمتْ أوراقُهُ
وحكتْ لمن يأتي صدى ميلادي
أنا ابنُ حرفٍ إذا ما لامسَ الألمَ
نبضَ الحنينُ بهِ وارتدَّ ملتهِما
وإذا سألتم عن سرِّ رحلتي كلِّها:
من أينَ بدأتُ، وأينَ كانَ مرادي؟
فالقلمُ أولُها، والقلمُ ختامُها
وبه تُروى رحلةُ الإنسانِ والزادِ
محمد علي باني / تونس