بحث هذه المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الأحد، 9 أغسطس 2026

Hiamemaloha

معلقة رحلة القلم للشاعر محمد علي باني

 معلّقة رحلة القلم 


بقلمي الشاعر محمد علي باني 


سيرةُ شاعرٍ بين مكتبة الوالد والطبيعة والآلة والتجارة


ما كنتُ أدري يومَ شبَّ صِبايَ

أنَّ الحروفَ ستستبيحُ فؤادي


كنتُ الصغيرَ ألوذُ بالكتبِ التي

في مكتبةِ الوالدِ كانتْ مرادي


أمشي إليها كالعطاشى كلما

نادَ الكتابُ فكنتُ خيرَ منادي


أفتحُ دفاترَها وأقرأُ سطرَها

فأرى الحياةَ وراء كلِّ مدادِ


والوالدُ الشيخُ الذي ربّى لنا

عقلًا، وكان منارةَ الإرشادِ


في مكتبتهِ تعلّمتُ أنَّنا

نحيا بعلمٍ لا بعيشٍ عادي


وغدوتُ أقرأُ في الوجودِ كأنني

أصغي إلى سرٍّ بغيرِ كلامِ


وأطيلُ في صمتِ الطبيعةِ نظرتي

وأعودُ منها بالخيالِ الزاخرِ


أرعى النجومَ إذا تلألأ ليلُها

وأرى القمرَ الساري بغيرِ عنادِ


والغصنُ يكتبُ للنسيمِ قصيدةً

والطيرُ ينشدُ فوقهُ إنشادي


والوردُ يفتحُ للعبيرِ رسائلاً

والصبحُ يوقظُ في المدى ميلادي


والبحرُ يفتحُ للعيونِ كتابَهُ

فتفيضُ منهُ خواطري ومِدادي


فكأنني بينَ الطبيعةِ شاعرٌ

يستخرجُ المعنى من الأبعادِ


حتى رأيتُ الآلةَ الكبرى التي

فيها من الأسرارِ ألفُ مرادِ


فلامستُ الحديدَ، وخضتُ في

أسرارِ محرّكِها بوعيِ مجاهدِ


علّمتني الآلةُ أنَّ لكلِّ شيءٍ

نظمًا، ولكلِّ خللٍ ميعادِ


فإذا تعثّرَ في المسيرِ جهازُها

بحثتُ عن الخللِ الدفينِ بعينِ هادِ


وعرفتُ أنَّ دقّةَ الصنعِ التي

فيها حياةُ الآلةِ لا تُعطى سدى


فصرتُ أرى في كلِّ ترسٍ حكمةً

وفي دورانِه نظامَ اجتهادي


ثم التجارةُ فتّحتْ لي عالمًا

فيه الوجوهُ مرايا كلِّ بلادِ


دخلتُ أسواقَ الحياةِ فوجدتُها

مدرسةً أخرى من التجاربِ زادِ


عرفتُ فيها الناسَ، واختبرتُ المدى

ورأيتُ صدقَ المرءِ بينَ ودادِ


في السوقِ قابلتُ الوجوهَ فبعضُها

صدقٌ، وبعضُ الناسِ أهلُ فسادِ


ورأيتُ من يجعلُ التجارةَ حيلةً

ورأيتُ من يمضي بعهدٍ هادي


فعرفتُ أنَّ المرءَ يُعرفُ موقفًا

لا بالثيابِ ولا بريقِ نقادِ


وتعلّمتُ أنَّ الرزقَ بابٌ واسعٌ

لكنَّ أخلاقَ الرجالِ عمادُ


فالغنى ليسَ الذي تراهُ يدُ امرئٍ

إنَّ الغنى في حكمةٍ وسدادِ


وجمعتُ من كتبِ أبي ومن المدى

ومن الطبيعةِ والحديدِ حصادي


ومن التجارةِ ما أضافتْ خبرةً

فغدتْ تجاربي حروفَ مدادي


ومضتْ سنونُ العمرِ بينَ تجاربي

والقلبُ يحملُ من مداها زادي


ما كنتُ أطلبُ في الحياةِ قصيدةً

لكنَّها كانتْ تهيّئُ مدادي


فالكتبُ كانتْ أولَ الدربِ الذي

أهدى إلى روحي مفاتيحَ الهدى


والطبيعةُ الخضراءُ علّمتْ مهجتي

أنَّ الجمالَ رسالةُ الأبعادِ


والآلةُ الصمّاءُ علّمتْني أنَّ في

صمتِ الحديدِ حكايةَ الأجوادِ


والسوقُ علّمني بأنَّ وجوهَنا

كتبٌ، وفي أعماقِها أسرارُ


حتى إذا نضجتْ سنونُ مسيرتي

عادَتْ طفولتي إلى ميعادي


ورأيتُ مكتبةَ الوالدِ مرةً

فكأنني أُبعثتُ من رُقادي


والرفُّ يحملُ من زماني شاهدًا

والكتابُ يعرفُ خطوتي ومرادي


وهناكَ أبصرتُ القلمَ فوقَ الطاولةِ

فارتجَّ في صدري صدى ميلادي


مددتُ كفّي نحوهُ، فتذكّرتْ

روحي لياليَ مطلعي وسهادي


فإذا بهِ ليسَ الجمادَ كما أرى

بل كانَ حيًّا في صميمِ فؤادي


قالَ: الطريقُ طويلُهُ قد علّمتْ

أيامُهُ الإنسانَ معنى الزادِ


فاجعلْ من الآلامِ حبرَ قصيدةٍ

واجعلْ من الآمالِ نورَ مدادِ


واكتبْ، فإنَّ الحرفَ يبقى شاهدًا

حينَ الرفاقُ يغادرونَ النادي


واكتبْ، فإنَّ العمرَ يمضي عابرًا

والحرفُ يبقى حافظَ الأبعادِ


فأجبتُهُ: يا قلمي، أنتَ الذي

رافقتَني في صحوتي ورقادي


ما كنتُ أبحثُ عن قصيدةِ شاعرٍ

بل كنتُ أبحثُ في القصيدةِ عنّي


فوجدتُني بينَ السطورِ كأنني

طفلٌ يعودُ إلى أبيه وينادي


ووجدتُ كلَّ مراحلِ العمرِ التي

عبرتْ، تصيرُ قصيدةً بمدادي


فمكتبُ الوالدِ كان أولَ مشعلي

والكتبُ كانتْ روضةَ الإنشادِ


والطيرُ والبحرُ والطبيعةُ علّمتْ

عيني قراءةَ حكمةِ الأجوادِ


والآلةُ الصمّاءُ كانتْ مدرسةً

علّمتْ يدي معنى النظامِ الجادِ


والسوقُ كانَ معلمًا في دربِنا

أهدى إليَّ تجاربَ الأفرادِ


فجمعتُ كلَّ روافدٍ في مهجتي

وصغتُها شعرًا بغيرِ نفادِ


إن ضاعَ منّي كلُّ شيءٍ في غدٍ

يكفينيَ أن يبقى الحرفُ شاهدًا


إن غابَ صوتي، فالأوراقُ تنطقُ لي

وتقولُ: كان هنا ابنُ هذا الوادي


ما الشعرُ عندي زينةٌ في مجلسٍ

أو لعبةٌ تُلقى على الأسماعِ


الشعرُ عندي رحلةُ الإنسانِ في

دربِ الحياةِ، ومَرآةُ الفؤادِ


هو أن ترى في كلِّ تجربةٍ لنا

معنىً يضيءُ عتمةَ الأبعادِ


هو أن تحوّلَ ما رأيتَ إلى رؤى

وتعيدَ صياغةَ نبضِ كلِّ فؤادِ


هو أن يكونَ الحرفُ عهدًا صادقًا

لا أن يكونَ وسيلةَ الأمجادِ


أنا ابنُ حرفٍ إذا ما لامسَ الألمَ

نبضَ الحنينُ بهِ وارتدَّ ملتهِما


أنا ابنُ مكتبةٍ صنعتْ طفولتي

وأنا ابنُ تأملِ غيمةٍ ووهادِ


أنا ابنُ آلةِ حرفةٍ علّمتني

أنَّ الحياةَ تقومُ بالإنجادِ


وأنا ابنُ سوقٍ علّمني أنَّنا

نحيا بتجربةٍ وبالأخلاقِ


واليومَ أجمعُ ما تبعثرَ من دمي

وأعيدُ صياغةَ رحلةِ الأجدادِ


لا كي أقولَ: أنا صنعتُ قصيدةً

بل كي أقولَ: القصيدةُ صنعتْني


فإذا سألتم عن مسيري كلِّهِ

من أينَ بدأ؟ وأينَ صارَ مرادي؟


فالحرفُ كانَ رفيقَ أولِ خطوتي

والقلمُ كانَ رفيقَ آخرِ زادي


وإذا انقضى عمري، فإني تاركٌ

بينَ الورى أثرًا من الأبياتِ


قد علّمتني الحياةُ أنَّ حقيقتي

ليستْ بما ملكتْ يدايَ من العتادِ


بل في حروفٍ صغتُها من تجربتي

وتركتُها للأجيالِ بعدَ مماتي


يا قلمي، يا صاحبَ الدربِ الذي

ما خنتَ عهدَ الصدقِ في أبعادي


إن خانني جسدي، فحرفي شاهدٌ

وإذا انقضى عمري، فحرفي باقِ


وسأتركُ القلمَ الذي رافقَ الصبا

حرًّا يواصلُ بعديَ الإنشادِ


فإذا سكتُّ، تكلمتْ أوراقُهُ

وحكتْ لمن يأتي صدى ميلادي


أنا ابنُ حرفٍ إذا ما لامسَ الألمَ

نبضَ الحنينُ بهِ وارتدَّ ملتهِما


وإذا سألتم عن سرِّ رحلتي كلِّها:

من أينَ بدأتُ، وأينَ كانَ مرادي؟


فالقلمُ أولُها، والقلمُ ختامُها

وبه تُروى رحلةُ الإنسانِ والزادِ


محمد علي باني / تونس

اقرء المزيد
Hiamemaloha

ماء لتروى وتظمأ للشاعر عصام رجب مصطفى

 just Answre

ماء لتروى وتطفأ

ونار لتحرق وتشفى

وملكة بيدها الاثنتان

تطفأ وقتما تشاء

وتصل بك حد الارتواء 

ونار تحرق فتذيب الحديد 

وتكوى الجروح لتعود من جديد

نار واشتعال وبرد وسلام 

ماء للحياة واكتفاء تام 

فعلينا وعليكم السلام 

من سيد حر يرقى لهذا المقام 

يجعل جرة ماء نهرا 

تنبت غابات فاشجار ونار

فإلى لقاء بليل يولد منه نهار

.................

بقلمى/ عصام رجب مصطفى 

......................7/8/2026


اقرء المزيد
Hiamemaloha

حبيبة القلب للشاعر مصطفى يوسف إسماعيل

 حبيبة القلب | My Beloved

بقلم: مصطفى يوسف إسماعيل

By: Moustafa Youssef Ismail

العربية

حبيبةَ القلبِ، كم أنا أهواكِ،

وكم من عشقٍ في الأرضِ قد ناداكِ.

أنتِ عاليةُ القصرِ، شامخةُ الهوى،

والحبُّ صارَ لدائي، ثمَّ دواكِ.

يا من رأيتُ النجومَ في عينيكِ،

فأصبحَ الحبُّ يملأُ كلَّ سماكِ،

فضمّيني بكلماتِ الحبِّ إنّي

ما زالَ قلبي ينبضُ شوقًا بهواكِ.

عشقُ الروحِ والجسدِ نارٌ مشتعلةٌ،

تسري بأعماقي، ولا أخشى لظاكِ،

كأنَّ الأرضَ من فرطِ الهوى انشقّتْ،

وفاضَ بركانُ العشقِ من رؤياكِ.

فتجمّعتْ مشاعرُ القلبِ في لهبٍ،

وصارَ الشوقُ نارًا تحتَ خطاكِ،

يا امرأةً جمعتْ الحسنَ في روحٍ،

كيفَ النجاةُ، وأنا أسيرُ هواكِ؟

كم أنا أهواكِ، يا نبضَ الفؤادِ،

ويا عشقًا تملّك مهجتي ودمائي،

إن كانَ للحبِّ وطنٌ أعيشُ به،

فقلبي وطنٌ لا يعرفُ إلاكِ.

English Translation

My Beloved

My beloved, how deeply I adore you,

And how much love upon this earth has called your name.

You are a queen upon a lofty throne, majestic in love,

And love became my affliction, then became my cure through you.

You, in whose eyes I saw the stars,

Until love filled the whole of your sky.

Embrace me with words of love, for my heart

Still beats with longing and passion for you.

The love of soul and body is a blazing fire,

Running through my depths, and I do not fear its flames.

As though the earth itself split apart from the intensity of passion,

And the volcano of love erupted at the sight of you.

The feelings of my heart gathered into flames,

And longing became a fire beneath your footsteps.

O woman who gathered beauty within her soul,

How can I ever escape when I am captive to your love?

How deeply I adore you, O heartbeat of my heart,

O love that has possessed my soul and my blood.

If love has a homeland where I may live,

Then my heart is a homeland that knows no one but you.

اقرء المزيد
Hiamemaloha

لازال جريحا للشاعر إبراهيم اللغافي

 إبراهيم اللغافي 


لازال جريحا 

مرت سنوات وسنوات 

لكن اللحظة في مكانها 

جرح أنجب جراحا 

لاتزالين معه رغم البعد 

مؤججة نيران غدرك 

في أنحاء الجسد 

يحترق حتى يصير رمادا 

وبقبلة منك يبعث حيا 

همساتك تعيده سيرته 

بعناقك يستنشق الخلد 

يتلذذ طعم الحياة 

بين جنتك ونارك 

بين الفرحة والحزن يتخبط 

سياط الحيرة تدغدغه تلطمه 

ينتظر قدومك المحال 


إبراهيم اللغافي

اقرء المزيد
Hiamemaloha

حان الوقت للشاعر لطف لطف الحبوري

 « حان الوقت »    


حان الوقت  .. 

لتُطِلّي من شرفتكِ  .. 

على الجنائن والأودية  .. 

وجبال الجليد  .. 

وتستنشقِي الهواء العليل  .. 

آن الأوان لتنسي أحزانكِ  .. 

وتُبعِدي عن ذهنكِ هواجسَ .. 

الماضي التليد .. 

طيري بأحلامكِ  .. 

ورفرفي في الفضاء البعيد  .. 

فليس هناك مستحيل  .. 

أنتِ عالمٌ يحوي كلَّ شيءٍ جميل  .. 

وأنتِ إلهامٌ لكلِّ حالم  .. 

ولكلِّ محرومٍ أنتِ أملٌ وأمان  .. 

اجعلي منكِ نجمًا يضيء دروبًا تتوق إلى النور  .. 

في فسحةٍ من الأماني والمُنى  .. 

انثري آمالكِ على دروب الزمان  .. 

واقطفي منها كلَّ يومٍ أملًا جديدًا  .. 

غيّري مساركِ  .. 

وحيدي عن كلِّ الجراح  .. 

فرفقًا بأوجاعكِ  .. 

فالأيام لا بدَّ أن تُنسيكِ الجراح  .. 

فالأيام بين يديكِ  .. 

وما مضى مضى  .. 

وغدًا سيُصلب الجلاد  .. 

ويعمُّ الرخاء  .. 


               3  12  2020 م 


       ✍  « لطف لطف الحبوري »

اقرء المزيد
Hiamemaloha

عتبات الصبر للشاعر محمد سليمان الحموي

 عتبات الصبر

÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷

على عتبات الصبر

تعبتْ خطايَ

و ما تَعِبتُ من المسيرْ

والدربُ يغرقُ

في الضبابِ وفي الهجيرْ

أنا يا صديقُ حكايةٌ مصلوبةٌ

فوقَ الرفوفِ..

وبينَ أنقاضِ المصيرْ

في كلِّ يومٍ نرتدي أوجاعَنا

ثـــوبــــاً،

 و نمضي في زحامٍ مستديرْ

نغدو كما الأشباحِ في طرقاتِنا

نقتاتُ صبراً ....

والمدى قفرٌ مريرْ

لكنَّ في الأعماقِ صوتاً هاتفاً 

"لا ينكسرْ مَن كانَ بالحقِّ بصيرْ"

فغداً سيورقُ ملحُنا يا وطني

ويفيضُ من بينِ الشقوقِ

ندىً ونورْ و خيرٌ وفيرْ

====================

محمد سليمان الحموي 

دمشق سوريا

اقرء المزيد
Hiamemaloha

معلقة العرق والحديد للشاعر محمد علي باني

 معلقة؛ العرق والحديد 


للكاتب والشاعر محمد علي باني 


مقدمة وجدانية 


ما أشبه الإنسان في رحلته بمسافر تبدلت به الأزمنة ، فغير مركبه ، ولم يكن ينبغي أن يغير قلبه.


كان إذا أرهقه الطريق مسح العرق عن جبينه ، ثم نظر إلى فرسه أو جمله أو ثوره، فرٱها تلهث من التعب كما يلهث،فتوقف  ليستريحا معا، ويقتسما جرعة الماء وظل الشجرة ، لم تكن الدابة ٱلة صامتة ، بل رفيقة سفر، وشريكة كدح، تحفظ الطريق كما يحفظها ، وتعرف  وقع خطاه كما يعرفه صهيلها أو حنينها.


ثم دارت عجلة الزمن ، وأقبل عصر الحديد والبخار ، ثم الكهرباء والمحركات ، فحلت الٱلة محل الحيوان في أكثر الأعمال . كان ذلك فتحا من فتوحات العقل ، وخطوة من خطوات الحضارة ، غير أن سؤالا بقي معلقا في ضمير الأيام ؛ 


هل إستبدل الإنسان وسيلته فقط ، أم فقد في الطريق شيئا من رحمته ووفائه ؟ 


ومن هذا السؤال ولدت هذه المعلقة ،


ليست خصومة بين الحيوان والٱلة ، فالٱلة ثمرة عقل الإنسان

فلا دعوة للرجوع إلى الوراء ، وإنما هي حوار رمزي بين الحصان والجمل والثور وسائر الدواب ، وبين الٱلة والإنسان، يبحث عن معنى الوفاء ، وعن قيمة الرفقة ، وعن تلك الخيوط الخفية التي كانت تربط المخلوقات بعضها ببعض، 


فقد تتفوق الٱلة في السرعة والقوة، ولكنها لا تتعب فتعرق، ولا تفرح بربتة يد، ولا تعرف معنى الصحبة. 


أما الحيوان فقد شارك الإنسان عرقه، وطريقه وصبره ، وراحته، حتى بقي اسمه شاهدا في قلب الحضارة ، فما زال الناس يقيسون قوة المحركات ب "الحصان ' وكأن التاريخ يهمس بأن فضل البدايات لا ينسى. 


وهذه المعلقة ليست رثاء لزمن مضى، بل دعوة إلى أن يبقى التقدم مقرونا بالرحمة وأن يظل الوفاء خلقا لا تلغيه الٱلات  ولا تطويه السنون.


نص المعلقة 


قفا نسأل الأيام أين رفاقنا 

وأين صهيل الخيل بعد الهدير؟


وأين جمال البيد كانت اذا سرت 

تقاسم إنسانا عناء المسير ؟ 


إذا عرق الإنسان سال جباهه 

وعرفت الدابات تحت الهجير 


فهذا يريح الكف ، تلك تريحها 

ظلال الغضا والماء بعد المسير 


وكانت يد الإنسان تمسح عرقها 

كم يمسح العرق الذي في النحور 


فما كان بين المرء والدابة التي 

تعينه إلى صادق التقدير 


تشاركه كدح الحياة فإن وهى 

توقف عنها رفقه في المسير 


فلما سكت ريح الطريق تنادت 

رفاق الدروب بلهفة المأسور 


أتى الحصن والإبل الكرام ، وثورها 

وحمار حمل صابر المقدور 


فقال الجواد أما تذكرون فتى 

كبرنا معه في الحل والتسيير ؟ 


إذا إشتد حر القيظ أرخى لجامه 

وأوردنا ماء غذب الغدير 


وكان إذا أعياه طول سفره 

رأيت جبينا عارقا بالعرور 


فأعرق مثل المرء لسنا حديدة 

لنا نبض قلب ولسنا صخور 


وقال الجمل ؛ كم قطعت مفاوزا 

أبدد وحش البيد عند المسير 


وما خنت عهدا ، بل حفظت مودة 

وكان جزائي الصبر طول الدهور 


وقال الثور؛ كم شققت تربة 

فأثمرت الأرض بألف بذور 


وقال الحمار؛ حملت عنه شقاءه 

وما قلت يوما قد مللت مسيري 


فقالوا جميعا؛ أين ذاك رفيقنا ؟ 

ولم إستبدل القلب والزئير ؟ 


فدوى دوي في الفضاء كأنه 

هدير حديد أقبل المسير 


فقالت ؛ أنا الٱلات جئت لخدمة 

أعين بني الإنسان وقت العسير 


حملت أثقالا ، وشققت مفازة 

وبلغت في يوم مدى الشهور 


ولست أنكر ان قبلي إخوة 

بهم قام ركن السعي منذ دهور 


فقال الجواد وابتسام إعتزازه ؛ 

رويدك ، ان الفخر غير غرور 


ألست تقاسين باسمي أنا؟ 

ومازال اسمي في الورى بظهور 


إذا قال قوم هذه الف قوة 

فإنهم عدوا خيولا تسير 


فقالت صدقت ، الفضل أصل ثابت 

وأنا غصن علم من الجذور 


فقال الجواد ليس فخري بقوتي 

ولكن بعهد صادق وضمير 


فإن كنت أسرع في الطريق فإنني 

علمت معنى الصبر قبل المسير 


فأطرق إنسان وقد بل مقلتيه 

حياء وفي صادق التذكير 


وقال أيا صحبي وما كنت جاحدا 

جميل رفاق الدرب عبر الدهور 


ركبت الجياد واستظللت بظلها 

وسرت مع الإبل طوال المسير 


وبالثور شققت الثرى متعبا 

فأهدت لنا الأرض خير البذور 


وكم حمل الحمار عني مشقة 

وما إشتكى يوما ثقال الظهور 


ولكن عصرا جاء يحمل ٱلة 

تعين على الأعمال دون فتور 


فما كان هجري للوفاء تنكرا 

ولا كنت أنسى فضل كل نصير 


ولكنني أمضيت أطلب قوة 

تخفف عن شيخ وعنا الصغير 


فقال الجواد ان حفظت مودة 

فلن يضيع العهد بين الصدور 


وقال الجميع إن خير حضارة 

تقيم بناء العلم فوق الضمير 


فمد الفتى كف الوفاء إليهم 

فمالت إليه أعين الحاضرين 


وربت فوق رأس ، رأس جواده 

فهاج صهيل الشوق بعد سكون 


وقال لكم فضل البدايات كلها 

بكم شق درب المجد منذ قرون 


ومن عرقكم قامت حضارات أمة 

ومن صبركم نال الورى كل تمكين 


فقالت حديدات الزمان تواضعا ؛ 

أنا غصن علم من جذور متين 


فلا خير في علم يميت مروءة 

ولا في ازدهار خال من حنين 


إذا نسي الإنسان فضل رفيقه 

تضاءل في عين الزمان يقيني 


فإن الحضارات تبنى بعقلها 

ولكنها تسمو بحسن أمين 


سلام على خيل الطريق وصبرها 

فأهدى سنابلها لكل سنين 


وسلام على الإنسان ما دام حافظا 

عهد الوفاء ، نقي القلب والدين 


فما المجد ان تمضي الحديد مسرعة 

ولكن بأن يبقى الوفاء قريني 


التوقيع؛ 


أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم 

نبض الحنين به،  وارتد ملتهما 


محمد علي باني/ تونس 


.

اقرء المزيد