اسم الله عليه ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
لم تكن المصلحة تحتاج إلى لافتة جديدة بقدر ما كانت تحتاج إلى إصلاح ما خلف أبوابها. لكن اللافتة الجديدة كانت أول ما ظهر في مشروع التطوير: حروف ذهبية تعلن أن المستقبل قريب، وصور ملونة لأجهزة حاسوب حديثة ومكاتب أنيقة، عُلّقت في الممر الرئيسي.
أما الحمامات فظلت قذرة، وبعضها معطل، وأجهزة الحاسوب القديمة تئن مع كل محاولة تشغيل، والموظفون يشترون أحيانًا الورق والأقلام من جيوبهم.
كان كمال يمر كل صباح على اللافتة، يقرأها مبتسمًا في سره، ثم يتجه إلى مكتبه.
في المصلحة، كان كل شيء يسير بحساب. لا أحد يدخل مكتب جلال دون استدعاء، ولا يجرؤ موظف على مقاطعته أو سؤاله عن شيء لم يأذن بالكلام فيه. لم يكن يحتاج إلى رفع صوته؛ فنظرة واحدة منه كانت كافية ليعرف صاحبها أن عليه مراجعة نفسه.
كان جلال يتحدث كثيرًا عن الانضباط، وتطوير الأداء، وترشيد النفقات، والمصلحة العامة. وحين يمر في الممر، تتوقف الأحاديث فجأة، ثم تعود بعد ابتعاده بنبرة أقل ارتفاعًا.
في مكتب الاستقبال، كانت هالة تحاول تهدئة رجل مسن جاء للمرة الرابعة يسأل عن معاش ابنه.
قال لها الرجل: ـ يعني أعمل إيه يا بنتي؟ كل مرة تقولوا لي لسه.
ـ والله يا حاج، الورق في الإدارة المركزية لسه ما جاش.
ـ والإدارة المركزية فين؟ وأروح لها إزاي؟ أنا من الصبح واقف على رجلي.
ناولته هالة كوب ماء، وقالت: ـ اهدأ يا حاج، الصبر جميل.
ثم نظرت إلى الموظف الجالس خلفها، فلم يرفع رأسه عن هاتفه.
في الأرشيف، كانت عايدة تعرف مكان كل ورقة، حتى تلك التي يظن أصحابها أنها اختفت. تحفظ أرقام الملفات وتواريخ المحاضر، وتعرف جيدًا أن بعض الأوراق لا تختفي وحدها، وأن بعضها يظهر فجأة حين يحتاج إليه أحد.
كانت تحب كمال في صمت. تعرف أنه متزوج وله بيت وأولاد، ولم تفكر يومًا في أن تطلب منه شيئًا. كان يكفيها أن تراه كل صباح، وأن تسمع صوته حين يسألها عن ملف، أو يترك لها ابتسامة عابرة وهو يمر. احتفظت في درجها بورقة صغيرة كتب عليها رقم ملف كان يبحث عنه يومًا كاملًا. لم تكن الورقة مهمة لأحد، لكنها لم تتخلص منها.
أما منصور، فكان زميل كمال وصديقه في العمل، يعرف كيف يختار كلماته، ومتى يضحك، ومتى يصمت. لم يكن يكره جلال، ولم يكن يحبه بالضرورة؛ كان فقط يعرف أن الاقتراب من أصحاب القرار يفتح أبوابًا لا تفتحها الكفاءة وحدها.
ذات صباح، وقف منصور بجوار مكتب كمال، وراح يتحدث عن مباراة الأهلي والزمالك التي أُقيمت الليلة السابقة.
ـ شوفت الماتش؟
ـ شوفت.
ـ إيه رأيك في هدف الأهلي؟
ـ هدف إيه؟
ـ الهدف اللي الحكم حسبه. مش كان تسلل؟
رفع كمال عينيه عن الأوراق وقال: ـ إحنا هنعرف أكتر من الحكم؟
نظر إليه منصور باستغراب: ـ حتى أنت يا كمال؟!
ثم هز رأسه وأضاف: ـ هي البلد ماشية كلها كده، أشمعنى الكورة يعني؟
ضحك كمال ولم يرد. كان قد شاهد الإعادة أكثر من مرة، ويعرف أن الهدف تسلل واضح، لكنه لم يكن مستعدًا للاعتراف بذلك أمام منصور.
في اليوم نفسه، وصل إلى المصلحة خطاب بشأن محضر استلام أجهزة حاسوب وطابعات حديثة ضمن مشروع التطوير. كان المحضر يحمل توقيعات لجنة الاستلام، ويؤكد أن الأجهزة وصلت بالفعل، وأنها وُزعت على الإدارات المختصة.
قرأ كمال المحضر مرتين. لم يرَ الأجهزة، ولم يسمع أن أحدًا تسلمها. وحين راجع سجل العهدة، لم يجد ما يثبت دخولها إلى المخازن.
ذهب إلى عايدة وسألها عن أصل المحضر.
قالت وهي تقلب بعض الملفات: ـ موجود في الملف، بس خلي بالك يا كمال، الموضوع مش بسيط.
ـ يعني إيه؟
ـ يعني الورق ساعات بيبقى له أصحاب كتير، وكل واحد عايز يفضل بعيد عن المسؤولية وياكل عيش أحسن.
عاد إلى مكتبه، وبقي ينظر إلى اسمه المثبت في لجنة المتابعة. كان يستطيع أن يوقّع، وينهي الأمر، ويعود إلى بيته دون وجع رأس. لكنه يعرف أن توقيعه سيجعل ما لم يحدث حقيقة رسمية.
استدعاه جلال.
دخل كمال بعد أن سمع الإذن، ووقف أمام المكتب.
قال جلال دون مقدمات: ـ وصلني إن عندك تحفظ على محضر استلام الأجهزة.
ـ بس أنا ما شفتش الأجهزة دي يا فندم.
ـ مش مطلوب منك تشوفها. فيه لجنة استلام.
ـ اسمي موجود في لجنة المتابعة، والمفروض أتابع إن الأجهزة وصلت واتوزعت.
ـ بالضبط. وإحنا بنشتغل من خلال منظومة أكبر مننا كلنا. الأجهزة ممكن توصل بعدين، والتطوير ممكن يحصل على مراحل، محدش قال إن كل حاجة لازم تحصل في يوم وليلة. لكن الورق لازم يمشي، والإجراءات لازم تخلص، ومينفعش حاجة تقف عندنا.
ـ بس المحضر بيقول إن الأجهزة اتسلمت بالفعل.
سكت جلال لحظة، ثم قال بنبرة هادئة: ـ حقك يا كمال، وأنا مقدّر إنك حريص على مصلحة العمل. لكن لازم تفهم إنك مش بتاخد قرارك بمعزل عن المؤسسة. أنا مش هقدر أضمن لك عواقب موقف زي ده، خصوصًا لما يتفهم إنه تعطيل للعمل ومخالفة تعليمات الرؤساء. أنت المسؤول عنها.
نظر كمال إلى الأوراق الموضوعة أمامه. تذكر مصاريف المدرسة التي طلبتها زوجته، وفاتورة الصيدلية التي لم يسددها بعد، وتذكر أن ابنه طالب الهندسة يحتاج إلى جهاز حاسوب حديث للدراسة، وأن راتبه يكفي بالكاد لتدبير المعايش.
قال جلال: ـ فكر كويس. أنا مش عايز أضرّك.
خرج كمال دون أن يرد.
في اليوم التالي، انتشر في المصلحة خبر أن هناك شكوى وصلت إلى جهة رقابية بشأن مشروع التطوير. لم يعرف أحد من قدمها، لكن بعض الموظفين بدأوا يتبادلون النظرات، وبعضهم تمنى ألا يُسأل عن شيء.
كانت عايدة قد أرسلت صورًا من المستندات ومحاضر الاستلام إلى الجهة المختصة. فعلت ذلك بعدما سمعت حديث جلال مع كمال، وعرفت أن الرجل قد يجد نفسه وحده في مواجهة الجميع. لم تخبره، ولم تنتظر أن يعرف. كانت تعرف أن ما فعلته قد لا يغير شيئًا، لكنه ربما يمنع ظلمًا أكبر.
بدأت التحقيقات، واستُدعي عدد من الموظفين. أنكر بعضهم معرفته، وقال آخرون إنهم نفذوا تعليمات رؤسائهم. أما منصور فكان يتحدث عن ضرورة الحفاظ على استقرار العمل، وأن الأمور لا تُدار بالعواطف.
وبعد أسابيع، صدر قرار بنقل جلال إلى جهة أخرى. لم يُعلن عن إدانته، ولم يُذكر اسمه في بيان رسمي. اكتفى الموظفون بتبادل الأخبار، ثم عاد كل منهم إلى مكتبه.
في اليوم الذي غادر فيه جلال المصلحة، لم يودعه أحد. اكتفى الجميع بمراقبته من خلف الأبواب، حتى اختفت سيارته من أمام المبنى.
بدأت الأحاديث تتصاعد في الممرات. قال أحدهم إن البلد لا تتغير إلا إذا تغير الناس، ورد آخر بأن الناس لا تملك شيئًا أمام أصحاب النفوذ.
جلس موظف كبير السن على مقعده، وقال: ـ هو إحنا أول ناس يحكمونا؟ دي مصر بعد عصور وأسر فرعونية متعاقبة، دخلها الفرس، وبعدهم الرومان، وحكمها المماليك قرابة ثلاثة قرون، والإنجليز، وأسرة محمد علي.. وكل واحد كان له حكاية.
قال منصور: ـ يعني إحنا ملناش ذنب؟
رد الرجل: ـ أنا مش بقول كده. بس الواحد ساعات يحس إن البلد دي بلد ملهاش صاحب.
ضحك أحد الموظفين ضحكة قصيرة، ثم قال: ـ إحنا اللي نستاهل أكتر من كده.
تدخل كمال: ـ المشكلة إننا بقينا مستنيين حد ييجي يصلح كل حاجة، وإحنا كل واحد مستني دوره.
قال الرجل الكبير: ـ واللي مش مستني دوره، مستني يخلع منها. ابني خريج هندسة، بيدور على فرصة بره. ابن أخويا طبيب، بيقول لي المستشفى مفيهاش سرير، وبيفكر في الهجرة. والمدارس محتاجة مدرسين، والباحث مش لاقي معمل يشتغل فيه. شهادة النجاة بقت جواز سفر للخارج. واللي مش لاقي فرصة، بيركب البحر، يا صابت يا خابت.
لم يعلق أحد. كان كل واحد منهم يعرف حكاية تشبه واحدة من هذه الحكايات.
مرت أيام قليلة، ثم جاء مدير جديد. استقبله الموظفون في القاعة الصغيرة، ووقف يتحدث عن مرحلة جديدة، وعن ضرورة العمل بروح الفريق، والالتزام بالتعليمات، واستكمال مشروع التطوير الذي تعثر في الفترة السابقة.
كان منصور أول من صفق.
جلس كمال في آخر القاعة، يستمع دون أن يشارك. لم يكن لديه ما يحتفل به. فقد عرف من أحد الموظفين أن جلال لم يُحاسب، بل صدر قرار بترقيته إلى نائب الوزير ومدير الإدارة المركزية، مع تكليفه بالإشراف على أعمال التطوير نفسها.
في نهاية الاجتماع، وزع المدير الجديد صورة من خطاب رسمي يتضمن القرار. قرأها كمال مرة، ثم أعادها إلى الطاولة.
كانت عايدة تمر في الممر حاملة بعض الملفات. التقت عيناهما للحظة، فابتسمت ابتسامة صغيرة ومضت. لم يسألها عن شيء، ولم تكن تنتظر منه سؤالًا.
عاد كمال إلى مكتبه. وجد رسالة من زوجته تسأله عن مصاريف المدرسة، وفاتورة الصيدلية ما زالت في جيبه. فتح درج مكتبه، وأخرج ورقة قديمة كتب عليها قائمة بالأجهزة التي يحتاج إليها القسم، ثم وضعها جانبًا.
في الخارج، كان عامل يثبت لوحة جديدة على الحائط، تحمل صورة مشروع التطوير وعبارة: "معًا نحو مستقبل أفضل".
ومن بعيد، وصل صوت منصور وهو يشرح لزميل جديد كيف تسير الأمور في المصلحة، وكيف ينبغي للموظف أن يكون مرنًا، وأن يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.
رفع كمال رأسه نحو اللافتة القديمة.
كان المستقبل قريبًا فعلًا؛ عودة جلال، لكن من باب أكبر.
طارق الحلوانى
نوفمبر ٢٠٢٦