السبت، 18 يناير 2020

ضو الكاز المقطع الرابع للدكتور أحمد محمود

ضو الكاز – المقطع الرابع
شعر د. أحمد محمود
1يناير 2020
لبست القبوع الشتوي على رأسي
متخفيا بلا معطف أو لثام
وغامرت بالخروج ليلاً
في أزقة الهلاك
بين حقول الألغام.
وحملت سراج المطبخ
بيدي اليمنى
متجنباً توبيخي أو لومي
وأشباح الفئران،
والجرذان والكلاب
تمر سراعاً أمامي،
وبيدي اليسرى
تأبطت قنينة الكاز والهيام
ومشيت مشية السلحفاة حثيثاً ،
بثبات، وبطء وانسجام
وتحركت في أزقة الأشجان
وأقبية الرعب والآلام
كان السراج ونيسي
ورفيقي في معمعة الازدحام
يبدد حلكات الليل البارد
وضباب القتام
خضت غمار الأوحال
وبرك المستنقعات والأخصام
وقلصت جسدي داخل قبوعي
كي أعبر عبر الزواريب
الضيقة كالأقزام
زواريب المخيم
ما زالت تقيدني
بالقضبان والإحكام
وتملأ صدري وقلبي
بالأضغاث والأورام
تجاوزت كل أعدائي
في متاهاتي وزواريب المخيم
من غير صدام أو خصام
لم أواجه أي لص
أو قارض نهم
يطاردني بالأنياب والأفمام.
وحين وصلت دكان "عمي" سامي
تلاشت كل مخاوفي وأوهامي
كان سامي راقداً
في كرسيه الخشبي
ملتحفاً كالمجرم
المتهم بالآثام.
عندما رآني عابراً
عالم المتاهات والإيلام
ملأ  القنينة بسرعة
وفي عدد محدود من الثواني.
حملت قنينة الكاز
وعدوت بها بعيداً
بين الأكياس والأخمام
خشية أن يلقاني
جرذ، أو قط جائع
أو كلب شرس أو حرامي
كان عمري عندها
سبع سنوات بالكمال والتمام
كنت مطيعاً، محباً لأمي
وعشقها كان غرامي
يا قنديلاً نورانياً
أضاء عمري وكياني ... يا أمي
يا قمراً غجرياً ساطعاً
بين كل الأقمار والأنجم
الحمدلله الذي أنقذني
سراجي ودعاء أمي
وحماني من غزاة الممرات،
والأزقة والظلام
في تلك الليلة.
دقت ساعة خيمتنا
في لحظة الهروب والاستسلام
ودخلت من بابها بأمان وسلام
حمدت الله فلم يهو
من فوق رأسي
قطعة من الخشب
أو الحجر المهدم
لم يقطع خط كهرباء
محمل بنيران جهنم
ولم تنل مني
صواعق ومقذوفات
تغرقني بالدم
أو مفرقعات تفتك بي
وتحكم علي بالإعدام
تجاوزت عدة براكين
ملتهبة بنيران قاتلة
وتقذف اللهب وكتلاً
من الصلى والحمم
ناولت أمي قنينة الكاز
مبتهجاً بخلاصي ونجاتي
من الأحداث الجسام
وأشعلت الفتيل
ووجهها نضر
بالفرحة والابتسام
أضاءت أمي مصباح خيمتنا
رمز العودة، والعزة والإقدام
وتمددت على البساط
كي أكمل حساباتي وأرقامي
ذكريات طفولة في المنفى
ما زلت أذكرها
في يقظتي وحلمي
في وطن المنفى، والشتات،
والحصار والانقسام
لم تمحها الأدهر،
ولم تدفن في برك الفيضانات،
والفقر، والغربة والاعتصام.
بقلمي د. أحمد محمود
1 يناير 2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق