السبت، 4 يناير 2020

السراب للشاعر محمد مهداوي

السراب
بقلم الشاعر محمد مهداوي
  امتشق الحزن سيفا خشبيا،وبدأ يتجول في دروب وأزقة فاس العتيقة،باحثا عن هدف،يشبه الزئبق،يحاول شده بكلتا يديه فينسل بين أصابعه،ويمرق منه مروق الريح ،فيتبعه في سراديب فاس،دون وجهة معينة،والعرق يتصبب من جبينه...صيف فاس كقدر يغلي على نار هادئة، لا شيء في الأفق يوحي بانفراج قريب…ألقى بناظريه جهة الشرق،حاول تصيد لحظات جميلة ،لعلها تبعث نوعا من الانتعاش في نفسه ،لكن الأفق المسدود والسراب الذي يبدو كبخار الماء، عكر صفوه وقضى على آماله ...حتى الغروب لم يعد نفس الغروب...لم تعد النوارس ترفرف على شطآن البحار ولا الطيور  تغرد خارج وكناتها...الأشجار هي نفسها مشتاقة لنسمات تنعش أوراقها الذبلى…
من بعيد ….بعيد...تراءى له خيال،يشبه الفزاعة ، ألوانها قاتمة...وفي كل خطوة يخطوها تزداد الصورة وضوحا...إنها هي...هي...بشحمها وعظمها...تزداد نبضات قلبة خفقانا...يتفقد جبهته ...ينشف عرقه بكمي يديه ...ويمسح عينيه جيدا بمنشفة ورقية...يكرر النظر مرة أخرى...لا شيء في الأفق سوى سراب ،تعتريه تموجات خادعة،وفي كل لحظة تتشكل أشكال،أشبه بأجساد هولامية،تظهر تارة من وراء حجاب وتتوارى أخرى وراء سحب داكنة ،والمشاعر ترتقي تارة وتأفل أخرى،وهي تنتظر مفاجأة زئبقية،قد تتشكل بفعل الحرارة المفرطة…
  سراب...
                 سراب...
                               سراب…
الكل تائه وسط السراب يبحث عن ظله الذي غاب في عمق القيظ ،حتى القطط ركنت تحت السيارات تبحث عن شيء ما لا زال لم يخطر على بالها بعد…التيه لبس قناعا هذه المرة وأصبح يتجول في الأزقة العتيقة متعجرفا،لعله يجد فريسته بين السياح المزلوطين...
سراب
             خراب
                        عذاب

                            بقلم محمد مهداوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق