الاثنين، 17 أغسطس 2020

جبل الثلج للشاعر عبده داود

 جبل الثلج

بقلم الشاعر عبده داود

قصة قصيرة

16.8.2020

كانت الزوجة تقل زوجها كل يوم صباحاً  في سيارتها الى محطة القطارات، هو يقود قطار الركاب من العاصمة الى المدينة ويعود في المساء. وهي تذهب الى عملها موظفة في أحد المصارف...

  في المساء تأتي الزوجة الى محطة القطارات، تركن سيارتها، وتنتظر زوجها الذي يصل دائماً بذات الوقت بالدقيقة...

يتبادلان القبل، وتقل زوجها في سيارتها الى البيت، هو يأخذ حماماً دافئاُ، وبعدها يجلسان الى طاولة العشاء...

حياتهما، مستقرة سلام وحب وسعادة، كلاهما يتسابقان في اسعاد بعضهما البعض...

هذان الحبيبان  متزوجان منذ سنوات...في عيد زواجهما الأخير، رتبت الزوجة مائدة الطعام، زينتها بالشموع، ووزعت الورود في انحاء المنزل...

وادارت الحاناً موسيقية رومانسية،  حتى  تضيف رونقاً وسحراً وحباً على جو البيت... 

قبل أن يتناولان وجبة العشاء قدم الزوج الى زوجته هدية بمناسبة عيد زواجهما، إسواره من ذهب...

فرحت الزوجة كثيراً بالهدية وتشكرت زوجها على لطفه وذوقه...

فأحضرت  الزوجة  كيساً كبيراً وقالت: لاحظت عندما كنا في السوق انك أعجبت في سترة،  وعرفت انك احببتها وقررت أن اهديك مثلها...

قال الزوج: صحيح هي رائعة، لكنها غالية الثمن جداً...

قالت الزوجة: فليكن، ولمن نوفر المال يا حبيبي؟ وتساقطت دموعها وأجهشت بالبكاء...

الزوج يعرف سبب بكاء زوجته المتكرر، كان يتمنى أن يمنحهما الله خلفة تسعد حياتهما...لكن الطبيب قطع أملهما عندما أخبر الزوج: انه رجل عقيم لا ينجب...

  مذ ذاك وهو يفكر في طريقة كلام لا تجرح زوجته وقال: أنت تعرفين كم أحبك، أنت حياتي، وأنا احيا معك ولك، سامحيني أنا أرى إنه من الأفضل لك أن ننفصل، ربما تتزوجين برجل آخر يستطيع منحك طفلاً أو أكثر... يحقق لك الذي لا استطيع أنا أن امنحك إياه...

اجهشت الزوجة بالبكاء، ثم قالت لماذا تريد أن تحطمني أكثر مما أنا محطمة...أنت حبيبي، وانت روحي، وأنت حياتي... أنا بدون وجودك الى جانبي، اموت وتنتهي حياتي... 

قال الزوج: إذن لا بد من طريقة ما، ما رأيك بطفل الانابيب؟ أو ربما نتبنى طفلاً؟ أو بأي طريقة  تختارين...

قالت الزوجة: لا هذا ولا ذاك، ولا بأي طريقة في الدنيا، الله لو أراد أن يهبنا ذرية لأعطانا، وعلينا الاذعان له وقبول حكمه...صحيح نحن ضعفاء ونبكي ونطلب، لكن علينا أن نقبل بحكم الله، الذي يعطي ابناءه الذي هو يراه  خيراً لهم...  

بعد أيام، جاءت الزوجة كالعادة  الى محطة القطار كعادتها تنتظر زوجها لتنقله الى المنزل...

تأخر القطار كثيراً وهو عادة  لا يتأخر ابداً ويصل دائماً في تمام الوقت...خافت الزوجة وأخذت تصلي أن يصل القطار بأمان...

وصل القطار،  لكن الزوج لم يصل فيه، وأخذت تسأل مستغربة أين زوجي؟...جاء معاون زوجها في قيادة القطار  وقال وهو متألم:  هذه الرسالة كتبها لك زوجك، ثم قفز من القطار، وقال سلامي الى حبيبتي...كان القطار يسير بسرعة، فأخذ مني دقائق حتى أوقفته، نزلت أنا ونزل عدد من الركاب نبحث عن زوجك لكننا فشلنا، وكان لا بد لنا من متابعة الرحلة، لأن قطاراً آخر كان سيصل خلفنا، وأجهش معاون السائق بالبكاء... 

انهارت الزوجة وسقطت مغمى عليها وعندما استفاقت وجدت نفسها بمكان غريب عرفت انه مستشفى...

  كتب الزوج: قررت أن انهي حياتي وانهي عذابك معي، أتمنى لك زوجاً آخر يستطيع أن يمنحك ما اعجز أنا أن امنحك إياه...

ذهبت الى قسم الشرطة وطلبت منهم إيجاد زوجها بأي حال  يكون هو...

عجزت الشرطة عن إيجاد الزوج، ليس له أثر نهائياً...وفقدت كلابهم  الأثر عند شاطئ النهر، القريب من الخط الحديدي فساد الاعتقاد بان الرجل مات في النهر غرقاً كونه مصاباً نتيجة القفز من القطار...

اسدلت الزوجة ستائر بيتها، كما أسدلت الستائر على قلبها، ولم تعد الشمس تدخل بيتها، وأظلمت حياتها...وأنقلب الحب حزناً  والماً وحيرة...

استمرت الزوجة في العمل، واستمرت ايضاً بالذهاب الى محطة القطارات  لتبكي هناك عله يعود  زوجها المفقود، راكباً متن القطار...

صديق في العمل  شاب تتمناه كل الصبايا، أخذ يتودد من تلك السيدة الحزينة البائسة، وعندما صارحها بحبه، قالت له زوجي حي في قلبي...زوجي حي، ولن اتزوج بعده مهما حصل... 

يوم عطلة، زميلات الزوجة في العمل اصروا أن يأخذوها معهم في رحلة حتى يتمتعوا في جمال الثلج الذي يغطي الجبال والوديان، وشجر السرو، ويتمتع البعض منهم بالتزحلق على الثلج...يصعدون بالتلفريك الى القمة، ويستخدمون زحافات وعصي خاصة تساعدهم بالنزول، من قمة الجبل الى اسفل الوادي...

صعدت الزوجة مع زميلاتها بالتلفريك، كانت تبتسم ولكنها حزينة مجروحة الفؤاد، لم تغادر بيتها يوماَ بعد اختفاء زوجها... 

في مقهى الجبل حدثت مفاجئة أذهلت الجميع، الزوج سائق القطار المفقود، هو ذاته النادل الذي يخدم في ذاك المقهى...

أصيبت الزوجة بصدمة افقدتها الوعي، حملها زوجها الى سرير في داخل المقهى،  وأخذ يرش عليها الماء وهي بين زملائها. وبين الدموع وبين الاستغراب والدهشة... عندما استفاقت، صفعت زوجها صفعة سمعها وكرر صداها جبل الثلج، وقالت: أنت لك قلب لكنك لا تعرف الله يوماً...

 

بقلمي

عبده داود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق