.... ( أنَا .. وَالنَّهْرُ )
بقلم الشاعر رشاد العبيد
قَعَدْتُ عَلَى الضِّفَافِ غَدَاةَ يَوْمٍ
أُنَاجِي النَّهْرَ ..... أَسْأَلُهُ الجَوَابَا
أَمَا مَلَّتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ مِنَّا
وَصَارَ الفَقْرُ لاَ يَرْضَى العَذَابَا
وَهَلْ رَقَّتْ ...... لِحَالَتِنَا الرَّزَايَا
وَبَاتَتْ لاَ تُدَانِينَا ........ اقْتَرَابَا
وَشُدَّتْ لِلرَّحِيلِ ... لَهَا المَطَايَا
وَعَافَتْنَا ......... لِتَقْتُلُنَا اغْتِرَابَا
فَمَا كَانَتْ سِوَى لَحَظَاتِ عُمْرٍ
قَضَيْنَاهَا ... وَقَدْ لاَحَتْ عِذَابَا
كَأَحْلاَمٍ نُسَرُّ لَهَا ........ بِنَوْمٍ
عَمُودُ الصُّبْحِ يُبْدِيهَا سَرَابَا
وَتفْجَؤُنَا عُيُوبٌ مِنْ صِحَابٍ
قَلَوْا عَنَّا وَلَمْ يَرْعَوْا قَرَابَا
فَجَاسُوا فِي دِيَارٍ ... أَثْخَنَتْهَا
أُتُونُ الحَرْبِ حَرْقًا وَاغْتِصَابَا
وَبَاقُوا كُلَّ غَالٍ أَوْ رَخِيصٍ
وَظَنُّوا اللهَ أَغْفَلَهُمْ ...... وَغَابَا
فَعَيْنُ اللهِ تَرْقُبُ كُلَّ ذَنْبٍ
وَحَقُّ النَّاسِ يَنْتَظِرُ الحِسَابَا
إِذَا الأَخْلاَقُ تَاهَتْ فِي بِلاَدٍ
وَلَمْ تُضْرَبْ لِهَيْبَتِهَا .... الرِّقَابَا
وَضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ عِنْدَ قَوْمٍ
وَمَاتَ العَدْلُ قَهْرًا وَاسْتِلاَبَا
وَكَانَ قَوِيَّهُمْ يْأْكُلْ ضَعِيفًا
وَأَضْحَى الذِّئْبُ أَمْرَعَهُمْ جَنَابَا
فَقُلْ يَا مَوْتُ أَقْبِلْ نَحْنُ شَعْبٌ
يَرَى فِي المُرِّ أَعْذَبُهَا شَرَابَا
شَكَوْتُ إِلَى الفُرَاتِ لَهِيبَ صَدْرٍ
سَرَى بِالنَّفْسِ حُزْنًا وَاضْطِرَابَا
فَعَادَ النَّهْرُ يُشْجِيهِ ..... أَنِينِي
وَأَغْضَى الحَوْرُ ... بَكْيًا وَاكْتِئَابَا
وَأَنْشَجَ فِي خَرِيرٍ رَاحَ يَهْفُو
يَشُقُّ الحَزْنَ فَيْضًا وَانْسِكَابَا
وَأَسْمَعُ هَمْسَهُ بِالشَطِّ يَدْوِي
وَلَيْلُ الدَّيْرِ أَرْخَى وَاسْتَطَابَا
أَتَبْحَثُ عَنْ حَيَاةٍ ... خَضَّبَتْهَا
أَيَادٍ كُنْتَ تَحْسَبُهَا .... مَثَابَا
وَتَصْبُو عِنْدَ مَسْمَعِهَا نُفُوسٌ
وَتَلْقَى الوِدَّ مِنَّا ...... لاَ اْلعِتَابَا
وَيَحْدُونَا لِمَجْلِسِهِمْ .... جِوَارٌ
وَنَقْلَقُ إِنْ أَضَرَّ بِهِمْ مُصَابَا
وَلَمَّا أَنْ أَصَابَتْنَا ...... سِهَامٌ
وَكَادَ القَلْبُ يَنْفَطِرُ انْتَحَابَا
أَدَارُوا عَنْ مَصَائِبِنَا ظُهُورًا
وَمَا عَطَفُوا عَلَى جَوْعَى سِغَابَا
فَلاَ تَحْكُمْ عَلَى مَرْءٍ بِخَيْرٍ
إِذَا لَمْ يَنْضُ لِلجُلَّى القُبَابَا
وَيَدْفَعُ بِالظُّبَى أَطْمَاعَ غَرْبٍ
وَيَحْمِي أَرْضَهُ .. فَالحَقُّ سَابَا
فَهَلْ مِنْ رُجْعَةٍ لِزَمَانِ وَصْلٍ
طَرِبْنَا فِي أَمَاسِيهِ ... وَطَابَا
وَفِي اللَّذَّاتِ كَمْ مَرَّتْ لَيَالٍ
شَهِدْنَا البَدْرَ فِيهَا حِينَ غَابَا
رَشَفْنَا الشَّهْدَ مِنْ أَكْمَامِ زَهْرٍ
رَغِيدَ العَيْشِ .... نَنْهَبُهُ انْتَهَابَا
أَلاَ يَا نَهْرُ كَمْ هَاجَتْ شُجُونٌ
وَبَانَ الغَمُّ ... وَاخْتَرَقَ الحِجَابَا
فَكُنْ إِلْفًا يُشَارِكُنِي هُمُومِي
وَكُنْ طَيْفًا يُرَاوِدُنِي .... أَهَابَا
سَأُلْقِي كُلَّ أَحْلاَمِي .... بِنَهْرٍ
وَأَحيَا مُدْنَفًا ...... بِهَوَاهُ شَابَا
وَأُبْقَى فِي رُبُوعِ الدَّيْرِ أَشْدُو
بِلَحْنِ الخُلْدِ (مُولَيَّا ....، عَتَابَا)
.. رشاد العبيّد
سورية - دير الزور
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق