بقلم الأديب جمال عتو
نلتقي اليوم مجددا في فقرة إضاءات نقدية بمنتدى نبض القلم للشعر والأدب متناولين نصا قصصيا قصيرا موسوما ب " الماضي لن يعود الكاتب السوداني أحمد سليمان أكبر
***************** ******************
قصة قصيرة:
***
الماضي لن يعود
غرفةً جميلة رحبة،بسط في أرضها بساطٌ أزرق، وأقيم في أحد أركانها سريرٌ وثير مغطى بملاءة حريرية زاهية،ومنضدةً جميلة قد صففت عليها أدوات زينة النساء،وخزانةً للملابس،ومرآة كبيرة،وبضعة مقاعد أخرى،وقد علتها جميعها طبقةٌ رقيقة من الغبار، وأصُص زهرٍ وريحان قد يبست وجف ورقها وتناثر في الأنحاء، إنها الغرفة التي أعدها مخدعًا لنومهما.
ثارت في نفسه الأشجان عندما وطئت قدميه هذه الغرفة التي ظلت مغلقة منذ أن أُعدت،ومشت ما بين قمة رأسه وأَخمص قدمه رعدةٌ شديدةٌ كادت تتزايل لها أعضاؤه، واشتد خفوق قلبه واضطرابه، وهو مطرقٌ صامتٌ، وإذا دموعه تنحدر على خديه يتبع بعضها بعضًا،وقد شعر بما يشعر به الماثل أمام جدثٍ بال قد ضُمَّ إليه، وطُويَ به بين تُربه وأحجاره،كل شيءٍ، ولم يبقَ في يديه من جميع أمانيه وآماليه أملٌ واحد،وقد خرجت من بين يديه تلك الفتاة التي أحبها أكثر من كل أنثى في العالم، والتي لا يستطيع أن يحب أنثى سواها، ولا يعلم ماذا بقي له في ضمير الدهر بعد ذلك من مخاوف وأهوال.
مضت الأيام،ولا رفيق له سوى أمل يتصاعد بنفسه تارة فيبلغها الكواكب، وحزن ينخفض بقلبه طورًا فيلحده بجوف الأرض،وقد ابتعد عن الناس مثلما يبتعد الوعل الجريح عن سربه ويتوارى في كهفه حتى يبرأ أو يموت.
إنه لا يستطيع أن ينسى كل عهدٍ من عهود حياته الماضية ولا يستطيع أن ينسى تلك الأيام التي أحبها فيها وأحبته، وأخلص لها فيها وأخلصت له، ولقد جمعت بينه وبينها الأقدار مذ كانا طفلين صغيرين، وأَلَّفَت ما بين قلبيهما حتى أصبحا قلبًا واحدًا يشعر بشعورٍ واحد، ويتألم بألمٍ واحد، ولا تزال حاضرة أمام عينه حتى الساعة تلك الأيام التي قضياها معًا.
لقد أحبها واستهام بها،وأحبته حبٍّا ملك عليها كل عاطفة من عواطف قلبها، وأن قد حيل بينها وبينه إلى الأبد، يوم أن زوجوها قهرًا بمنطق البنت لابن عمها، فقضت في مضجعها ليالي ليلاء ما يكاد يغرب لها نجم، ولا يطلع لها فجر،حتى لفظت أنفاسها كمدًا.
غمر الليل الوجود بأمواجه القاتمة، وجد نفسه هائمًا بين تصوير خيالات قلب وجيع لم يلمسه الحب بأفراحه حتى صفعه بأحزانه وقد وقفت دموعه على ذكرى أيام أنثى ضعيفة لم تعانق الحياة حتى احتضنها الموت، وهو يتسرجع إلى حافظته صدى كل كلمة لفظتها معيدًا إلى نفسه حركاتها وسكناتها، وملامح وجهها وملامس يديها حتى إذا ما اتّضحت له حقيقة الوداع وما يجئ بعده من ألم الوحشة ومرارة الشوق جمد تفكيره، وتراخت خيوط قلبه،وعلم لأول مرة أن الإنسان وإن وُلد حرًا يظل عبدًا لقساوة التقاليد التي سنّها أسلافه.
لقد هام وهو يتعثّر في خيبته، إلا أن حبه لم يمت بموتها، بل كمن كما النار تحت الرماد، رماد الأحلام ليُبعث حيًا ساعة أن خرج إلى الوادي، في ذات الأمسية من أماسي الصيف وثمة نسمة رقيقة تتهادى حاملة أخلاط التراب والريحان،مضى في طريقه حتى بلغ بطن الوادي، بدا لعينيه المكان مظلمًا، وترامت أشباح الأشجار من فوق الآكام، تصاعدت أصوات الظلام بغموضها، صمم على طرح الهم جانبًا وقال لنفسه: إلى متى هذا الحزن؟
لقد امتلأت نفسه بأنفاس الليل، وانسابت إلى قلبه نظرات النجوم المتألقة،وهتفت روحه إلى سماء الصيف الصافية،وقد انتعشت بأنفاس الكون النقية المسربلة بالأحلام، فنفض عن قلبه صورة حبيبته المتحدية بعد خمس سنين من رحيلها،نعم إنها ماتت ولكن كيف يموت الحب وهو يرتكز على أحلام وعواطف تبقي ببقاء الروح في الجسد، قد تعصف بها النكبات،فتغيب ولكنها تشرق كالشمس والقمر.
عاد إلى الدار وطلائع الفجر قد لاحت في الأفق،نظر من الكوة الصغيرة المطلّة على الوادي الذي بدأ يمتلأ بنور الصباح، فتهلل وجهه وشعر بلذة روحية تعانق نفسه وطمأنينة مستعذبة تملك عواطفه، فالغرفة الضيقة لم تسجن غير جسده، أما نفسه فحرة تتموج مع النسيم بين المروج، وأيدي الظلمة التي ألمت بمراده لم تمس عواطفه المستأمنة بجوار الأمل، فعاد إلى الحياة ليتذوق ملذات الحب من جديد، فان الماضي لا يعود.
***
بقلم الكاتب: أحمد سليمان أبكر
البلد/السودان
___________________ """"""""""""" ________________
النص الذي بين أيدينا يشتغل على مفاهيم عدة متداخلة ناسجة مفردات وجدانية واجتماعية ونفسية ، فبطل قصتنا كان ضحية لحب ضائع وحبيبته التي عشقها وعشقته ضحية أيضا رحلت عن الدنيا حزينة وفي نفسها ألم ، والجلاد واحد : أحد التقاليد الشرقية الذي يرغم الفتاة على تزويج الفتاة من ابن عمها رغما عنها وإن كان في قلبها حب لأحد آخر .
المحب الولهان لم ينس حبببتة رغم سنين مرت على رحيلها ، وقف في غرفة مهملة وقد أسدلت الذكريات الجميلة بظلالها على وجدانه وأضحى حبيس الأطلال ، فقد أحب بعضها منذ الطفولة والصبا وكان من المنطق أن تثمر هذه العلاقة العميقة بزواج سعيد وحياة هادئة ، كان الحب المتبادل يرسم طريقه نحو غد حالم ، لكن هل تؤمن الحياة بالمنطق أصلا ؟ وهل يخضع الحب الصادق لمعادلة طبيعية ؟ ذلك لم يتأتى لحياتهما ، فقد أصر أهل الفتاة على تزويجها من ابن عمها وعاشت قسطا من حياتها في عذاب مقيم فلاهي أحبت زوجها ولا هي فازت بعش جميل مع حبيب قلبها .
النص يطرق باب مفهومي الحرية والعبودية في المجتمع الشرقي ، فالإنسان الذي لا يقترن بمن يحب ليس حرا لا في عقله ولا في وجدانه ولا في إراداته بل هو عبد مطوق بأغلال الأسر ، ومنطق القبيلة والقرابة تجعل الإنسان يتشرب الألم طول حياته ، ليس لهذا أصل من الدين الصحيح بل له أصل من عادات حافظ عليها جيل بعد جيل ل" ضرورات " اجتماعية ، فمصادرة حق الفتاة في الاقتران بمن تحب لم يكن لها وزن يذكر وإن كانت النتيجة مؤلمة : رحيل الفتاة بعد أن أكلها الكمد أكلا ، وبقاء الحبيب وحيدا بين مخالب الذكريات .
الكاتب سينقلنا عبر طفرة مدهشة الى مشهد آخر شبيه بالانفراج ، ففي الوقت الذي كنا ننتظر من بطل القصة أن يقدم على أمر ضد تقاليد مجتمعه أو ضد نفسه مثلا ، يفكر في الخروج إلى الوادي مساء والليل يزحف رويدا ليهب الكون الظلام ، " لقد هام وهو يتعثر في خيبته إلا أن حبه لم يمت بموتها ، بل كمن النار تحت الرماد ، رماد الأحلام ليبعث حيا ساعة أن خرج إلى الوادي " .
الوادي والغسق واقتراب الليل ، لم يجتمعوا صدفة في لحظة تنشد الانعتاق ويأتي سؤال داخلي في ردهات وجدان البطل باحثا عن الخلاص : " إلى متى هذا الحزن ؟ " .
لم يجبه المجتمع ولا التقاليد ولا حبيبته العاشقة بل أجاب هو : " نعم إنها ماتت ولكن كيف يموت الحب وهو يرتكز على أحلام وعواطف تبقى ببقاء الروح في الجسد ، قد تعصف بها النكبات فتغيب ولكنها تشرق كالشمس والقمر " .
عاد الحبيب إلى الحياة مجددا وفيا للحب والروح بشروقهما كالشمس والقمر ، فإن كان الجسد قد رحل فإن الروح باقية تشهد على جمالية الماضي ووفاء اللحظة .
عاد البطل إلى غرفته مع طلائع الفجر وقد امتلأت نفسه أملا بعد ذهاب الليل وللفجر قصة أزلية لازمت الإنسان وأبقته سموقا رغم النكسات .
نص كاتبنا استجاب لمحاور القصة وعناصرها من بداية ونهاية وشخوص وزمان ومكان وعقدة وانفراج .
أسلوب النص جنح الى المتانة بدون تكثيف والسلاسة الموصلة إلى المعنى .
ويبقى نص اليوم عميقا للغاية مادام اشتغل على مفاهيم العادات والتقاليد والحرية والعبودية والحب والوفاء والخيبة والانكسار والانعتاق .
إلى موعد آخر مع نص آخر نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق