بقلم الأديبة طروب قيدوش
أحاول الهروب إلى رقعة أخرى .. و لا أجد سوى الصفحات البيضاء و هي تكسوا مكتبي .. فأدخل في جدال فيه الكثير من الهوس .. و أنا أبعثر لغة الصمت المتشدقة على الأوراق .. يعتصرني الكبت .. كأنني أصيبت باكتئاب فجائي ..اختلطت الأوراق .. و الأزمنة داخل فكري ... صمت داخلي رهيب .. تبعثر بين حروف النداء و العطف ..و الصرخات المدوية .. بركان ..إعصار .. ضاعت أسماء الفصول ... نرجسية هي الأفكار السيئة .. مازالت قابعة في بؤرة البحث الذي لا يكاد ينتهي
في درج المكتب قلم حبر و قلم رصاص كلاهما يجاهد لأجل أن يلامس أنامل و أن افرغ ما في جعبتي بما يحويه .. أتأمل فيهما مترددة ثم احمل قلم الرصاص و الممحاة التي بجانبه .. أسامره بك استطيع أن أكتب و أن امحي قائلة في غبطة مع نفسي ...
أتقرب من الأوراق و أنا أتساءل ما اكتب أي موضوع سيكون .. الأفكار كثيرة .. لكنها مبعثرة .. لا أقوى على ترتيب مكنوناتها .. و لا على إزالة الفواصل المتقطعة بينها .. شيء ينهش داخلي صارخا .. اصمت أصمت فقد أكثرت من الجدال .. اشعر برغبة ملحة في أن أقوم و أتوجه إلى المطبخ .. اخرج رجلاي المثقلتان في محاولة للتملص من الأوراق التي تنادي و هي في غبطة لأني أتجاهلها .. و اركض متجهة نحو المطبخ .. أنير الإنارة .. مباشرة أمد يدي إلى الثلاجة .. انظر إلى الرفوف بداخلها ..حتى أنت لا شيء فيك .. أخاطب نفسي .. ادفعها بقوة ثم أمد يدي إلى قارورة الماء ... انظر إليها بتمعن شديد و كأنني أفتش عن فكرة جديدة .. أو عن شيء هارب مني ... أقربها من شفتي في محاولة فاشلة لأن أشرب .. و لكن شيء ما يجعلني أضعها جانبا و أعاود الرجوع إلى مكتبي المهمل من طرف أفكاري المبللة بالشرود... ..
أمسك قلمي بشفتاي و أحلق بنظري في سقف الغرفة .. ألم أكن هنا ذات صيف .. نعم قد كنت هنا في كل صيف ... و في كل فصل .. لا شيء تغير .. إلا لون الجدران .. التي في كل مرة أكون فيها عاجزة عن تنظيفها فأقوم بوضع لون جديد لها أو غلاف حائطي .. لم ادري أني مهملة في حق نفسي .. استرق النظر إلى الرفوف المحملة بمختلف الكتب .. انظر إليها بشوق كبير .. حنين يأخذني فجأة إليها .. كم مر من الوقت لم أقرأ أي كتاب منكم .. و أيضا لم احضر لكم رفقة جديدة .. أظنني أصبحت متكاسلة في كل شيء .. لا تنتظروا مني شيئا فقد أهملت نفسي .. أهملت تلك الآمال و الطموحات في أن أصبح ذات اسم .. و أن أكون روائية ذات يوم ... ذبل كل شيء بداخلي ... ....
تلعثم لساني و أنا اذكر ما كنت عليه من نشاط وهمة .. بل كنت مرحة جدا .. أما الآن تغيرت كثيرا إلى درجة أنني أصبحت اختار أن اكتب بقلم الرصاص حتى أستطع أن أمسح ما يكون من أخطأ ... كيف تذبل الورود .. ؟ و كيف تموت الأفكار ؟ أصبح لنا عنوان آخر في زمان جديد مليء بالغربة .. الحيرة .. الوحدة ... و ضياع كل ما جميل ليسكن بداخلنا الفراغ الذي لا يحمل شيء سوى هوس الفقدان...
طروب قيدوش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق