الأحد، 19 فبراير 2023

الشيخ والحقيبة للكاتب أحمد علي صدقي

 الشيخ والحقيبة.

فقد حميد حقیبة الظهر الجديدة التي اشتراها لسفر كان مجبرا على القيام به. وما أزعجه ساعة فقدانها وأغمه، ليس ضياعها هي، ولا ما تضمنته من قديم أقمشة لا قيمة لها، ولكن الذي أوجعه كثيرا، هو ما أزمع القيام به ويراه تعذر لما ضاعت الحقيبة و ما بها..

عبأ حميد حقيبته بما يحتاجه في سفره، وحشى بالذات، أحد جيوبها بالذي هو الأهم.. أتقن سده.. حملها على ظهره و خرج متجها نحو المحطة الطرقية.. كان وجهته نحو المستشفى الذي يوجد بها أبوه  المريض الذي أسر الطبيب عليه بعمل جراحة مستعجلة قبل فوات الأوان.. ساعة المحطة كانت تشير الى السادسة مساء.. 

وجد حميد آخر حافلة تستعد للخروج نحو وجهته، وقد ملئت عن آخرها. طلب من مساعد السائق أن يجد له، ومن الضروري، مقعدا لأنه يريد الوصول صباح غد للعيادة التي تنتظر قدومه لإمضاء رخصة القيام بعملية إنقاد أبيه.. لم يؤثر هذا في الرجل، بل باعه مقعده بالزيادة فی الثمن والذي أداه حميد بلا نقاش.. صعد الحافلة.. أخذ مكانه قرب رجل بجلباب أسود و طربوش أحمر ولحية بيضاء.. شيخ يجلس في وقار، ممسكا بيده عكازا جميلا مزخرفا يدل على ثرفه قبل دلالته على مهمة الإتكاء.. جلس حميد قربه وقد تشبت بحقيبته، وهو خائف يترقب من حوله وكأن الجميع يعرف ما بحقيبته ويريد أن ينقض عليها ليخطفها منه. جلس وعيناه على الحقيبة، وقلبه يخفق حزنا على أبيه المريض.. من ينظر إليه، يرى رقبته قد غاصت بين كتفيه من هموم اثقلت فكره.. وضع حقيبته على ركبتيه وضمها ثانية إلى صدره بكلتي يديه.. وسَّع له الشیخ المكان شيئا ما، تعاطف معه لِمَا رآه من أثر دموع لافتة للإنتباه. ربت على كتفه. بسرعة أبعد حميد يده عنه.. سأله الشيخ:

هون عليك يا إبني، أراك مرتبكا أكثر من اللازم. ضع حقيبتك في مكان الحقائب ليتسع لك مكان جلوسك. أجابه حميد:

- لا عليك سيدي. أتركني وشأني. رد الشيخ:

- أراك وكأن كل هموم الدنيا نزلت عليك وعصرت عينيك لتخرج منها دموعا تريد أنت أن تخفيها على من حولك! أجاب:

- والله يا شيخ، ما بي لا يعلمه إلا خالقي. فقر أسرة و هم مريض. و تأنيب الضمير.. لقد تأخرت عن أبي الذي يعيش بالكاد، ويستجديني لأحضر له مابه يمكن أن يُنْقَد من مرضه. تأخرت عليه، والطبيب أصر على أن لن يبدأ العملية إلا لما أحضر للعيادة وأمضي الأوراق المتعلقة بالعملية.. سأل الشيخ:

وما هو مرضه؟ أجابه بعد أن جر الحقيبة إليه وضمها بكلتا يديه:

سرطان الحنجرة يا سيدي. رد الشيخ مندهشا:

- إنه المرض الخبيث! اللهم هون على أبيك آلامه. مرض انتشر لأسباب كثيرة.. فبعد أن كان حالات قليلة، أصبح منتشرا ينخر الكثير من أعضاء أجساد الناس. قال حميد:

- أبي كان يدخن كثيرا، وكم كنا ننصحه ولكن... رد عليه الشيخ:

ليس التدخين فقط يا إبني هو أصل هذا المرض الخبيث. ولكن هناك أسباب نفسية كثيرة، نبعها ضغوط أزمات أسرية، وحگرة، و ظلم، و ضياع حقوق و أناس تحكمك لا ضمير لهم يهديهم ليفرقوا بين الخير والشر. أجاب: 

- صدقت.. هموم الأسرة الكثيرة كانت هي الدافع للتدخين.. قال الشيخ: 

- زمان غابت فيه رقابة الأسر و روجت فيه الإعلانات كثيرا للتدخين وشرب الخمور و تناول المخدرات. وهذا كله لجمع المال.. رد حميد:

- كنا يا سيدي أربعة أفواه تطالب دوما بالأكل- أمي وأختين معوقتين لي، وأنا- أبي المسكين، ليس له عمل قار ليطعمنا. كان يحارب الزمان بكل قواه والزمان لا محالة غالبه.. بعد بحث طويل وجد لي عملا مع أحد أصدقاءه كمستخدم في البناء وفي هذه المدينة البعيدة عنه، التي أسكن بها.. وياله من سكن، بيت من صفيح ثمن كراءه أضخم من حجمه.. ولكن الحمد لله، فبما أحصله، رغم قلته، استطعت أن أعينه على هموم الأسرة... 

كبرت الأختان. وكبر معهما هم الطعام وهم الإعاقة..ولا عمل ولا زواج.. طغوط زادت من خطورة مرض أبي ودعَّمها قلقه على أمي وهو يرى نفسه قد أصبح عالة عليها بعد أن كان سيدها و سيد نفسه.. قال الشيخ:

كان الله في عون أبيك. فكيف له أن لا يدخن.. لما يغلبنا الزمان يا إبني، و تطالنا الأيادي المحتكرة، يتفاقم المرض و تنهاك الصحة.. أجابه:

- والله لقد تجرعت كأس العذاب قبل أن أعمل. وفي عملي. لقد اسودت الأيام في عيني و بدأت أفكر في التدخين، وشرب الخمور وحتى في الانتحار.. قال الشيخ:

- إصبر يا ابني واحتسب ولن تخيب.. أجاب:

 تعب كلها الحياة من أجل اللاحياة... 

توقفت الحافلة.. أخبر السائق المسافرين بأن عندهم ساعة لتناول العشاء ثم الإنطلاقة..

أخذ حميد حقيبته معه ونزل. تبعه الشيخ و توجها معا يبحثان عن مطعم لتناول العشاء.. 

بعد نصف ساعة انتهيا من طعامهما و قرر حميد أن يكرم الشيخ كضيفه بدفع ثمن العشاء. أخذ معه حقيبته متوجها الى دورة المياه لقضاء حاجته وللوضوء للصلاة فقال له الشيخ:

- أترك الحقيبة معي حتى ترجع. فهي في مأمن. فكر، ثم فكر، ثم استسلم.. نزع الحقيبة من حضنه و سلمها للشيخ.. كان يسير نحو دورة المياه ووجهه نحو حقيبته خائفا عليها.. دخل المرحاض وتعطل به.. سمع الشيخ الحافلة تزمر والسائق يدعوا المسافرين للركوب.. أخذ المحفظة و صعد إلى الحافلة وجلس ينتظر حميد. أخذته غفوة فنام... 

توضأ حميد، وذهب لمسجد المحطة للصلاة.. عند رجوعه للمطعم لم يجد الشيخ. صعد الحافلة.. لم يجده هناك أيضا.. جلس و ظل ينتظر لكن الشيخ لم يأت. طلب من السائق أن ينتظر قليلا، ربما يظهر الشيخ الذي كان يجلس قربه، والذي معه الحقيبة. انتظر السائق هنيهة ثم انطلق.. بدأت الظنون تلعب بفكر حميد.. صك وجهه.. حك رأسه.. وبدأ يحدث نفسه:

- هل يمكن لشيخ من هذه الطينة أن يسرقني؟ لا أظن ذلك.. ولكن أين هو؟ أظن أن الحقيبة قد ضاعت، وضاع ما بها، وضاع أبي.. يا حسرتي وياخيبتي.. مغفل أنا والله...

وصلت الحافلة الى المحطة النهائية.. نزل حميد، واتجه إلى مخفر الشرطة ليصرح بما وقع له.. انتهى من تصريحه.. أخذ طاكسي إلى المستشفى و كل أفكار العالم السلبية تتزاحم بدماغه. مغفل أنا. كنت على الأقل آخذ من الشيخ رقم هاتفه.. لما ثقت بهذا الشيخ؟ كيف اقتنعت بكلامه وتركت معه الحقيبة؟

 رن هاتفه. ألقى اليه نظرة.. الرقم الذي يرن لا يعرفه.. أجاب.. محدثه هو رجل الشرطة. أخبره بأن هناك جديد يهم تصريحه. رجع عودا على بدئ. دخل المخفر.. وجد أمامه الحقيبة.. قال للشرطي:

- إنها حقيبتي! أجابه الشرطي:

الله أعلم. هل أنت متيقن أنها هي؟ أجاب حميد:

نعم إنها هي. و أين الذي أودعها عندكم؟ أخبره الشرطي أنه شيخ يقول أنه كان معك، وقد صعد غلطا الى حافلة أخرى، و يكون هذا هو من فارقه معك.. إنه يقول إن له موعد طائرة يرغمه على الحضور بالمطار ولن يستطع انتظارك.. فهو يسلم عليك ويشكرك على العشاء و يدعو لأبيك بالشفاء.. قال حميد مخاطبا نفسه: 

- وأنا الذي ظننت أنه قد سرقني واختفى. يا لشقائي...

سلمه الشرطي حقيبته. انزوى إلى جهة في المخفر و فتشها. الكل على ما يرام إلا أن المال الذي بها زاد قدره.. سد حميد الحقيبة وهو يدعو للشيخ على نخوته  وانسانيته وحسن معاملته و يلوم نفسه على سوء ظنه... 

أحمد علي صدقي/المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق