الاثنين، 20 فبراير 2023

رسالة من تحت الأنقاض للأستاذة لطيفة ناجي

 رسالة من تحت الأنقاض.

انتبهت من غفوتي، هل أنا في حلم أم هو الواقع المرير؟ لا أكاد أرى شيئا ،محاط بعتمة لا عهد لي بها، أنفاسي تكاد تتوقف، وصداع رهيب يكاد يقتلني، أين أنا؟ نبض قلبي أصبح ضعيفا، وتراجع شريط الليلة بكل تفاصيله المؤسفة. 

كان الظلام قد خيم  على تلك المدينة الهادئة تحت وطأة الزمن العنيد. نحن في فصل الشتاء، البرد يحاصرنا وصفير الريح يتردد صداه عبر الفتحات والثقوب ومن تحت الأبواب. شرعت ندف الثلج في التساقط بسرعة وما هي إلا لحظات حتى أصبحت الطرقات والسيارات والأرصفة مغطاة بكساء أبيض وكأنها تعلن الحداد. خلت المدينة من كل حركة وكأن شبح الموت يطارد الأرواح المتأخرة خارج البيوت. خلدت إلى النوم لأنني كنت أحس بالتعب الشديد، مباشرة بعد صلاة العشاء. أخذت زوجتي فاطمة الأولاد إلى غرفتهم ثم عادت إلى المطبخ لتجمع  الأغراض وتنظف الصحون، كعادتها كل ليلة، قبل موعد النوم. زوجتي فاطمة هي آخر من ينام في بيتنا الصغير المتواجد في الطابق الثاني من عمارة الحاج علي  التي يعود بناءها إلى أمد بعيد. في تلك الليلة نامت مع هناء وكريم، لأنها لم تشأ إزعاج نومي خاصة والرضيعة مريم كثيرا ما تبكي حين تحس برغبتها في الرضاعة. غصت في نوم عميق، وفجأة،  شعرت باهتزاز طفيف وكأن يدا خفية تهدهدني. تناولت هاتفي لأشعل المصباح حين سمعت دويا كالرعد يزمجر. بعد حين ترددت الهزة قوية  انقلب فيها كل ما في البيت رأسا على عقب. سمعت فاطمة في الغرفة المجاورة توقظ الأطفال، وتعالى الصراخ في البيت وفي الشارع : "إنه الزلزال، الله أكبر ! اللطف يا رب الأكوان!" خرجت مذعورا من سريري لأجد نصف بيتي قد تهدم ولا أثر لزوجتي ولا لأولادي.داهمنا الزلزال على حين غرة  هاجمنا كوحش ثائر، وكان هو المنتصر كيف لا والكل أعزل إلا من الإيمان بقضاء الله وقدره. كالأحمق هرعت مناديا :"فاطمة ،أخرجي الأولاد، أينكم؟ فاطمة..." لم أر بعدها شيئا، هويت بشكل مريع  بكلّي مع ما تبقى من البيت الذي سكنته لسنوات، ذلك البيت الذي شهد زواجي ومولد أطفالي. وجدتني ولوحدي غير قادر على الحركة، محاطا بحلكة مريعة وثقل فظيع يشدني إلى الأسفل، لست بوضع صحي جيد، لا أدري إن كنت ميتا أو لازلت على قيد الحياة ، بحّ صوتي وأنا أستغيث من خلال الركام، دخل التراب في فمي وأدنى حركة تهددني بالموت الحتمي ، لم أكن وحيدا، أدركت بأن هناك آخرون تحت الركام . رباه! كم آلمني الصراخ من حولي، كم كسر نفسي الأنين المتردد من تحت الأنقاض، أفواه تنادي يا إبراهيم، يا حسن، أينك يا ليلى، هل رأيتم أولادي، أمي كانت نائمة في الغرفة المجاورة... لطفك يا الله، هذا الزلزال حطم وكسر، يتم ورمل، قتل وشرد. رهين التراب والأنقاض صرتُ، أي مصير هذا يا إلهي ،هل سأنجو أم سأقضي  مع الضحايا تحت الركام. صرت أتحسس ما حولي لدي مسافة صغيرة أستطيع تحريك يدي فيها، صرت أسترق السمع لعل أحد المتطوعين ينتشلني من ذلك المأزق، شُيِّعْتُ وما زلت على قيد الحياة. رحماك يا الله. صه! إنني أسمع مناديا ،أجل أحدهم ينادي "هل تسمعني؟" أجل، سمعت صوتا وضربا على قطعة خشب أو ربما حديد، لفظت بصعوبة :"أنا هنا، أنقذوني" وسرعان ما بدأت الحلكة تتبدد شيئا فشيئا ،وأصبح الثقل الذي كاد يخنقني يصبح أخف، ورأيت النور من خلال الغبار المتصاعد ورجالا خلتهم ملائكة قدموا لانتشالي من جهنم نحو الجنة. تنفست الصعداء،شكرت رب الأكوان الذي نجاني وكتب لي عمرا جديدا. انهالت علي الأسئلة من كل ناحية، خيل إلي أنني سمعت تصفيقات وعبارات لم استوعب معناها، وشرعت أصرخ :أين بيتي، أين زوجتي وأولادي؟

بيتي أصبح في خبر كان وها أنا مع باقي الناجين ننتظر رحمة رب العالمين ،معجزة تلفظها الأنقاض وتعيد لنا الراحة النفسية.

مرّ على الزلزال أكثر من أسبوع وها أنذا رغم البرد والتشرد،أنتظر والدموع تنساب على خدي ملتهبة ، أنقب مع فرق الإنقاذ عن ناجين أو ضحايا نشيعهم إلى مثواهم الأخير وكلي أمل في العثور على غال أو عزيز. 

      الرحمة والسلام لضحايا الزلزال والشفاء العاجل لكل الجرحى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

      لطيفة ناجي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق