الأحد، 12 فبراير 2023

أمة إقرأ لاتقرأ للكاتب صخر محمد حسين العزة

 أُمــة إقــرأ لا تــقــرأ

مُنذُ أن خلق الله الإنسان وأنزل آدم عليه السلام إلى الأرض مُستخلفهُ  فيها لإعمارها وبنائها، وتعاقبت من بعده الأمم والحضارات وأرسل الله الرُسُل إليها ومعهم الكتب والشرائع السماوية من صُحف إبراهيم إلى الزابور والتوراة والإنجيل ومن ثَمَّ القُرآن الكريم ،وقد مرَّ الإنسان بعصور متعاقبة بدءاً من العصر الحجري إلى الحديدي والنُحاسي والبرونزي وغير ذلك من عصور  ، وفي كُلِّ عصرٍ يتطور الإنسان ويرتقي أكثر من العصر الذي سبقه ، إلى أن وصلنا إلى عصرنا الحاضر بما يُميزهُ من تطورٍ وتكنولوجيا تُذهل العقول ومنها ما كان ذا فائدة للبشرية ، ومنها ما  كانت شراً ووبالاً عليه  ، وكل هذا عائدٌ إلى عظمة الله التي كرَّمَ الله بها الإنسان ووهبهُ العقل للتفكير ولساناً ناطقاً من أجل تخاطُبهِ مع الآخرين ، ولكن كيف يُمكنُ للعقول أن تصل إلى ما هي فيه من تطورِّ دون العلوم التي سخَّرها الله للإنسان ، لكي ينشروها بين الناس وتكون خادمةً لهم في تسيير أُمور حياتهم المعيشية ولما فيه خيرٌ للإنسانية جمعاء .

ولكن هل يمُكن للإنسان أن يبقى مخزونه العلمي في عقله على مرِّ السنين ؟ فكان لا بُد لأداة لتفريغ هذا المخزون الهائل في ذاكرة الإنسان ، لكي تتناقلهُ الأجيال جيلاً بعد جيل ، فكان لا بُد من أداةٍ لذلك لتكون ناقلةً لهذه العلوم ووعاء يحتويها ، وما كانت هذه الأداة إلا القلم والكتاب ، والقلم هو أول خلق الله في الكون ، وقد بدأت رسالة الإسلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم به ولأهمية العلم للإنسان ، قال تعالى في سورة العلق – الآيات [1-5 ] :     { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)} ولهذا فإنَّ القلم هو أساس الكون وأساس تطور العلم وبه صلاحُ الإنسان أو فساده بما تخطُّه يداه ، قال تعالى في سورة القلم – الآية 1 : { ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } وهذا قسمٌ عظيم من الله عزَّ وجلْ ، ولا يُقسِمُ الله سبحانه إلا بالأمور العظيمة ، فعندما أقسم بالشمس والقمر والليل والفجر ، كان ذلك لعظمة خلقه وبديع صُنعه في الكون ، وكذلك الحال عندما أقسم بالقلم لأهمية العلم والمعرفة التي بهما تهتدي النفوس وتتفتح العقول من أجل أن تنهل من أنهار المعرفة ولتُسهم في رُقي الأُمم ، فبالقلم إنتقلت العلوم والمعرفة من أُمة إلى أُمة ومن لسانٍ إلى لسان باختلاف لُغاتها عبر القرون ، ولولا القلم وما يُسطرُ في الكُتب لطُمست العلوم وذهب التاريخ وضاعت الحقوق بين الناس ، ولهذا أولاهُ الله مكانةً عظيمة ، ونحنُ كأُمةٍ عربية ومُسلمة فقد نزل القُرآن على نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم بأمر رباني ، وبكلمة لبداية خير الأديان وخاتمها ألا وهي ( إقرأ ) فأين نحنُ من ذلك وقد تخلينا عن القلم والكتاب ، وشغلتنا وسائل التواصل الإجتماعي من فيسبوك وواتساب وغيرها من وسائل السوشيال ميديا ، وألهتنا عن أن ننهل من الكتب والدواوين التي بها تتفتح القرائح ويستنير الفكر ، وليس كوسائل السوشيال الميديا التي لا تزيد في ثقافة المرء وتكون معلومات طفيفة وبسيطة وسرعان ما تذهب وتفنى كفُقاعات الماء أو كالوجبات السريعة .

إنَّ القراءة والكتابة هي عُنصر رئيسي في تنمية عقل وفكر الطفل فيجب علينا تنمية ثقافة القراءة في بيوتنا بين أطفالنا وتشجيعهم على ارتياد المكتبات ، وأن يكون في كل بيت مكتبة لا أن تكون كالزينة أو كالتُحف بل منبراً للثقافة والأدب والتعلم منها ، ويجب تفعيل المكتبات في المدارس ، وتشجيع الطلبة على القراءة والكتابة وعمل البحوث ، وإجراء مُسابقات في ذلك لتحفيزهم وحثَّهم على حُب المطالعة والبحث ، فلا خير في أُمَّةٍ لا تقرأ وهذا مرضٌ عُضال يُصيب المجتمعات وهذا ما تُعاني به أُمتنا بالعزوف عن القراءة والكتابة ، والاتجاه إلى وسائل السوشيال الميديا التي أغلبها طريقة للتجهيل وليس للإستفادة منها وكل ذلك يؤدي إلى تأخرنا علمياً وحضارياً وثقافياً ، وعلينا أن نعمل مُقارنة بين تاريخنا الماضي وتاريخنا الحاضر وكيف وصل أبناؤه إلى أعلى درجات العلم والتطور في وقت كانت أوروبا تغُطُّ في عصور الظلمات ، ولم يتردى حالنا إلا بعد أن تخلينا عن تُراثنا وكنوز المعرفة والعلوم التي تركها لنا أجدادنا ، وقد سُرقت  كتب علمائنا الأفذاذ ونُسبت إلى عُلماء الغرب وكان ذلك خاصة بعد سقوط الأندلس .

نحنُ أُمة إقرأ ، أُمة القرآن والقلم ، أُمةٌ من أُسس دينها القراءة والبحث والإستكشاف ، وأُمةٌ كان يقترنُ عملها بعلمها وهما كلمتان مُتجانستان من ذات الحروف ، وقد قيل للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في آخر عُمره : ( يا أبا عبدالله فلقد طلبت العلم حتى بلغت من العُمر عِتِيّا ، فقال كلمته الشهيرة : ( ومن المِحبرة إلى المقبرة ) وكثير من المفكرين والعلماء قالوا في القلم وفضله ، فقد قال إبن أبي داود : ( القلمُ سيف العقل ورسوله الأصيل ، ولسانه الأحول ، وتُرجمانه الأفضل ) وقد قال نابليون بونابرت : ( عماد القوة في الدُنيا إثنان –السيف والقلم – أما السيف فإلى حين ، وأما القلم فإلى كُلِ حين ، والسيف مع الأيام مكروهٌ ومغلوب ، والقلم مع الأيام مغلوبٌ ومحبوب ) 

ختاماً أقول علينا أن نعود للقراءة والكتابة فهي غذاء وزادٌ للعقل ونور للفكر ونزيد بها من معرفتنا وعلومنا في كل مجالات الحياة من أجل أن نواكب الأُمم فكرياً وثقافياً وعلمياً لا أن نبقى مُتلقين وعالةً على الآخرين .

إن القلم سلاح ذو حدين وقد أقسم الله عزَّ وجلَّ به لعِظَّمِ وخطورة أمره ، فما أكثر من نشروا بالقلم الخير ولهم أيادٍ بيضاء على مجتمعاتهم وعلى العالم أجمع ، وهناك من تجاوز الخطوط الحمراء فعاثوا فساداً ويُمالئون الظالمين نفاقاً وزوراً وبهتاناً ، فالقلم هو مرآتك في الحياة وانعكاس لذاتك ولشخصيتك ، فكم رفع القلم أُناساً ، وكم وضع آخرين ؟!!! ، ولا شيء أسوء من خيانة القلم ، فالرصاص الغادر قد قد يقتل أفراداً ، بينما القلم الخائن قد يقتل أُمما ، والقلم بيد السفيه كالخنجر بيد الطفل ، ، فكونوا مُخلصين وأوفياء فيما تكتبون واستشعروا عظمة الله بخلقه للقلم لفائدة البشرية وليس لدمارها  ولله درُّ شاعرنا الذي قال : 


               قف وسطر درراً بالقلم           واشكر الرحمن مولى النعم 

فلرب العرش خير ظاهر        علم الإنسان ما لم يعلم               

               قد قضى الله بأمر أزلا           كتبت أقدارنا بالقلم 

              ومداد جف في اللوح بما        تقتضي الأقدار مُنذُ القِدم 

              خلق الأقلام للإنسان في          حكمة بالغةٍ في الحِكم


            

   

  صخر محمد حسين العزة 

عمان – الأردن

12/2/2023

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق