قصة قصيرة
بقلم: الحسين صبري
يـوم مـاطـر
لم أكن أعرف شكله الجميل الوسيم إلا من خلال الصور، ولطالما اجتمعنا كُلنا على شكل حلقة والكل مُرَكّز بِفِكره بِإِمعانٍ و بإنتِباهٍ إلى ألبوم الصور الخاص بِوالدي، تُشير أمي بإصبعها المُرتعش هذا والدكم وهذا أنتَ في حضنه عندما أنجبتك، تقول كان يوم إربعائي ماطر وكانت جدتك رحمها الله تَبِيتُ عندنا في ذلك الوقت وهي من اختار لك إسم (أحمد) على إسم جدك، جدك الذي إسْتشهدَ بعدما وقع أسيراً إبّان الإستعمار الإيطالي وزج به في سجون الألمان ولم نستطيع الحصول على جثمانه، تأخذ نفسًا عميق وتخرج زفيراً مع آهٍ موجعة وتسكت لبُرهةٍ قصيرةٍ، وذا أنتَ مع الكُرة عندما خَطيت أولى خطواتك وسجلت هدفًا وذاك والدك يقف حارسًا من وراءك، وذا أنتَ عندما ذهبنا في نُزْهة إلى الجبل وكنتَ أنداك قد بدأتَ في تبديل أسنانك الحليب، تغمض كفها دلالة على التوتّر والغضب ومن تم تفتحها وتُشير بالسبابة من جديد أمممم، هذه الصورة لا أذكر عنها شيئًا وتبدوان أنت و والدك سعداء جداً، أعتقد بأن والدك يُحبك يافتى أكثر من أخواتك البنات وأكثر مني حتى، فجُلُّ ومعظم الصور التى إلتقطها وأنت برفقته، إبتسمتُ فرحًا ونظرتُ لوجه أمي وجدت على محياها إبتسامةً خفيفة مع بعص الإحمرار وكأنها تذكرت شيئًا ما
والدتي من ذاك النوع الخجول جداً، المُبتسم دائمًا ولطالما زرعت الأمل في نفوسنا، كانت عظيمة بحجم وطن وعانت الأمّرّين وتدرك تمامًا أن الحق لن يخذلها أبداً، أراها دومًا تدعو في صلاتها خاشعة باكية إلا أني لم أرى دموعها يومًا قط
لم أزر والدي في السجن أبداً وكانت الزيارة تقتصر على أقرب الأقرباء، هم هكذا سجناء الرأي أو السجناء السياسيين لا يستطيعون أن يأخذوا حقوقهم كاملة، هم لم يأخذوها خارجًا فما بالك في داخل سجون مُظلمة، مَرَّ وقت طويل جداً حسبته دهراً حتى تمت الموافقة لزيارة والدي كنتُ قد بلغتُ الخامسة عشر من عمري، أتى اليوم وذهبتُ مع والدتي وأخواتي الثلاث والذين بقوا خارج الأسوار، جلسنا في مكان مُغلق دون نوافذ حتى أتى أحدهم ألقى السلام وسلم بقوة وحرارة على والدتي وأغلال وسلاسل تلتف حول معصميه وكُرة من الحديد يجرها جراً وتبدو ثقيلةً جداً وجسمه نحيل تمامًا، نظر لي بعيون وكأنها لَمْ تَذُقْ طعمَ النومِ يومًا ومن تم أحتضنني، حضن طويل عميق أحسست معه بِنوع من الأمان وسرعان ما أبعدته عني وبقيت محدقًا في تلك الكُرة الحديدية وأتى سَجَّان اخر وأخذ ذلك الرجل بعيداً وأغلق الباب الحديدي، وثم أتى اخر وبصوتٍ جهوري ومن خلال شباك الباب نفسه، إنتهت الزيارة
تنظر لي أمي وطليعة دمعةٍ في عينها لكن تحبسها كالعادة وبِتَمْتمة واضحة و بصوتٍ به شهقة ما بالك لِمَ أبعدت والدك عنك، بكيت ولم أستطع أن أتوقف عن البكاء، أعطتني أمي ماءً ولم أستطع بلعه وكدت أن أختنق، كدت أن أموت
لم أكن أعرف بأن ذلك الرجل هو والدي فهو لا يشبه تلك الصور أبداً، بكيت بألم وحرقة وما جعلني أن أسكت عن البكاء أنه في الزيارة القادمة سأنظر إلى وجهه مباشرةً وأقول له (بابا) أحبك كثيراً وسأفك تلك الأغلال من يده وأكسر تلك الكرة الحديدية التى تزن أطنانًا ونخرج سويًا من ذلك المكان المُوحش وأخبره بما أريد وبكل أحلامي.....
مرت الأيام بطيئة جداً وكأن الشهر صار سنوات وقبل أن يكتمل الشهر أتصل أحدهم بأمي، وأذكر ذلك اليوم جيداً كان الطقس ردئ وكأن الغبار يسقط من السماء، ليخبرها عبر الهاتف بأن والدي فارق الحياة
هل قلت لكم أن أمي عانت الأمّرّين كنت مخطئ، أمي عانت عشرة أمْرار، وبعد فترةٍ قلِيلةٍ انتقلت والدتي إلى جوار ربها.......
رغم أني لم ألتقِ مع والدي مرة أخرى إلا أني أراه في منامي كل ليلة، يبتسم لي وهو يتدلى من حبل المشنقة.....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق