الجمعة، 24 مارس 2023

زائر الليلة الباردة للأديب أحمد سعيد سليمان

 زائر الليلة الباردة


كانت الساعة تشير إلى الثانية فجراً والحطب تلتهمه النار في موقد التدفئة وهي جالسة أمامه مستمتعة بالدفء ووميض البرق يخترق نافذتها يرافقه صوت الرعد و حبات المطر ترتطم بزجاج النافذة.

كانت أم حسن عجوز في السادسة والسبعين من العمر  تعيش بمفردها في هذا المنزل بعد وفاة زوجها منذ عامين ورحيل ابنها الوحيد منذ ثلاثين عاما ً إلى استراليا والذي انقطعت اخباره منذ خمسة عشر عاماً ولم تعد تسمع عنه اي شيء.

وفجأة سمعت طرق على الباب قامت مثقلة الخطى لتسأل من الطارق في هذا الوقت وهذا الطقس.

ما أن وصلت إلى الباب حتى سألت بصوتها الذي يكاد لا يسمع : 

- من هناك؟ ...

 كررت السؤال عدة مرات إلى أنا أتاها رد من خلف الباب بصوت مرتفع أجش:

= أفتحي الباب يا أمي أنا حسن ابنك ...

لم تصدق نفسها وظنت أنها تحلم  وأسرعت لتفتح الباب وتعانق ذاك الطيف الذي يقف أمامها ...

رجل في الخمسين من العمر ولج من الباب وأغلقه خلفه وانحنى ليقبل يدي أم حسن التي خف نظرها كثيرا من شدة الحزن والبكاء فلم تستطع أن تمييز ملامح وجهه .

جلس إلى جانبها على الأريكة وهي غير مصدقة انه قد عاد إليها بعد هذا الغياب :

- متى عدت يا بني ؟ وأين كنت ؟ ولما انقطعت أخبارك ؟ 

الكثير من الأسئلة كان جوابها:

- سأقص عليك كل شيء عندما يأتي الصباح أنا متعب الآن وأريد أن أستريح.

- ألست جائع ؟ سأجهز لك وجبة خفيفة من الطعام بينما تأخذ  حمام من الماء الدافئ يزيل عنك بعض التعب....؟

- لا لا دعيني أنام الليلة ... لقد نسيت حقيبتي في المطار  غداً سأذهب لإحضارها .

 ابتسمت وقالت له : 

- ملابس المرحوم والدك كما هي في مكانها تستطيع استخدامها ... 

انهمرت الدموع من عينيه وهي تخبره كيف قتل الحزن والده .

قبلها من جديد وهو يعانقها  وودعها متجهاً إلى غرفة تقع في آخر الرواق فتح الباب بهدوء وارتمى على السرير بعد ان اندس تحت الملاءة السميكة التي عليه .

بقيت ام حسن مستيقظة تنتظر الفجر أن ينسج خيوطه وهي تفتح باب غرفته عشرات المرات لتطمئن أنه موجود ولم يغادر . 

ولكن عند الفجر تمكن النعاس منها ودخلت في قيلولة لم تستمر أكثر من ساعة  لتستيقظ على صوت وقع أقدام تقترب منها فتحت عينيها المرهقة وقالت :

- لقد استيقظت باكراً ؟ 

- نعم سأذهب إلى المطار لأحضر حقائبي وأعود .

قالها وهو يقبل يديها .

لم ترى ام حسن حقيبة اليد الصغيرة التي يحملها بيده وهو يغادر متجهاً نحو الباب الخارجي للمنزل والتي أتى دونها .

كانت تلك الحقيبة تحتوي على سوار ذهبي وبعض المال الذي تركته أم حسن ليتم استخدامه عند تشييع جنازتها بعد وفاتها .

اغلق الباب خلفه وابتعد وما زالت ام حسن تنتظر عودة زائر الليلة الباردة من المطار حاملاً حقائبه لان حسن قد مات منذ خمسة عشر عاماً بحادث سير في استراليا .


بقلمي


احمد سعيد سليمان


٠14/3/2023

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق