فقيرٌ وغنيٌّ
الفقرُ في بطنِ الفقيرِ خوارُ
وبرأسِهِ ممّا أسنَّ دُوارُ
وتجيءُ أقدارٌ وتذهبُ مثلُها
وعليه إذ تتنافسُ الأقدارُ
فيُرمِّمُ الألمُ الشديدُ ببطنِهِ
فيزيلُهُ فتشدُّهُ الأضرارُ
إعصارُهُ هدمَ الشهيّةَ عندهُ
في نفسِهِ مما جرى آثارُ
ورياحُهُ تلقي شراعَ قويربًا
في الموجِ حيثُ العاصفاتِ دمارُ
في بيتِهِ تجدُ الهدوءَ مسيطرًا
فرّت عصافيرُ وفرّ الفارُ
لم يستطع فهمَ الحياةَ فسبَّها
حتمًا عليه تسيطرُ الافكارُ
قتلَ الزمانَ فلم يبارح يومَهُ
سيّانِ ليلٌ عنده ونهارُ
في وجهِهِ أثرُ المجاعةِ باديًا
زرقُ الشفاهِ وقد أحاطَ صفارُ
ثوبٌ تمزّقَ بل تقطّعَ خيطُهُ
لا لونُ لا شكلٌ ولا أزرارُ
فيجدُّ في عملٍ ليرضيَ مترفًا
فكأنّما هو للغنيِّ حمارُ
لم يفهمِ المتخومُ حالةَ عسرِهِ
بين المعسّرِ والغنيِّ جدارُ
غلتِ القدورُ وللفقيرِ أزيزُها
وأتاهُ من دارِ الغنيِّ بخارُ
فَقَدَ المشاعرَ عندما تنتابُهُ
تلكَ الولائمُ فانتهى استشعارُ
لم تشتعل تلك الشهيَّةُ عندَهُ
إلا اللظى فيها وإلا النارُ
فتحَ الخزينةَ لم يشأ إغلاقَها
فتحرّرت من جوفِها الأصفارُ
كم مرةٍ ذاقَ السفودَ بأنفِهِ
ضربَ الغنى بيناهُما أستارُ
لتجفَّ أمعاءُ الفقيرِ بجوفِهِ
حتى بدا في بطنِهِ استقرارُ
وإذا أتى رزقٌ تسلّل َخلسةً
ليذوقَ من هذا الخوانِ الجارُ
نفسٌ له تأبى المجاعةَ مسرفًا
فرحٌ إذا يأتيهُمُ خطّارُ
نَبَذَ الشراهةَ في العراءِ وداسَها
وعليه حيكت هيبةٌ ووقارُ
فتلملت كلُّ الشمائلِ عندَهُ
فكأنّها فوقَ الفؤادِ دثارُ
الصبرُ مثلُ غمامةٍ تهفو له
فبها إذا جدّ الأذى استمطارُ
أهلُ الثراءِ كنوزُهم متخومةٌ
فبها وفيها حولَها استنفارُ
تلكَ الكنوزُ كجنّةٍ ربويةٍ
ولقد جرت من تحتِها الأقذارُ
نَهِمٌ ليأكلَ ما يراهُ أمامَهُ
فتعجّبت من فعلِهِ الأبقارُ
سُحْتٌ تجمّعَ من ربا فمصيرُهُ
نارٌ وفي كلتا اليدينِ غبارُ
جمعَ البلاءَ وما درى كم بلوةٍ
خبّت له من بينها الآصارُ
إحسانُهُ كنزُ الفلوسِ فأسفرت
أرضٌ له في المشهدين بوارُ
جُعلت له ربًّا فأضحى واثقًا
فيها وفيها تُنشدُ الأشعارُ
لكنّما يبقى الغنيُّ بمالِه،
سجنٌ له ويداهُ فيه قصارُ
بقلمي: سيّد حميد عطاالله الجزائري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق