خُرافة الشاعر
قلت
ل محمود درويش
ماذا كتبت عن الحياة قبل
موتك يا محمود
قال :
كتبت لا شيء يعجبني
و عاتبت كل الخذلان بين
جدران المنفى
و أخذني الوحي لأماكن
بعيدة
قلت ماذا بعد .؟
قال ........
و نحن نحب الحياة
إذا
ما استطعنا إليها
سبيلا
و تنهدَ بعمق ثم قال
أنت يا أيها الشاكي بواحة
السراب
ماذا كتبت على طريق
موتك
قلت كتبتُ كلَ ما
يؤلمني
أمضيتُ خمسينَ عاماً
أصنعُ بقطار العمر
و عندما إنتهيت
نسيت أن أبني لها محطة
لكي أستريح من
سفري
قال و بعد ؟
صليتُ على الجنازة مع
المصلين
و عند الدفن نسيتُ أن أموت
من وجعي
و قلتُ كلاماً كالفلاسفةِ
في الأثير
و أشبعتُ كلَ تفاصيل القصيدة
من عذاب العمر
فما بين الحياة و الموت
هناك رقصة
قال ما هو ........ .؟
قلت إنه وجع الحياة
قال
هكذا هي
أبهذا الوجع تكتب القصيدة
قلت نعم
قلتُ هناك أكثر و أكثر
من الإنكسار
فصار يبكي بدمعه
بكى دوريش على وجعي
كان دمعه يشبه الحجر
أو أثقلَ منه بكثير
قلتُ له لماذا تبكي يا
محمود
قال لأني تذكرتُ وجعي
بالوحي العتيق
و إطمئنتُ على القصيدة
من بعد رحيلي
فلكَ كل قافيتي يا أيها
الكردي المتألم
ثم أغلق نافذته و نام
بين ضباب الذكرى
و تركني أجهشُ بأثرهِ حتى
الرمق الأخير
قلت في نفسي قد تقاسمنا
وجع الحكايا و أغرقنا
سيلَ الهموم
لكن لم نتواعد لموعدٍ
آخر
فهناك على منحدرات الأماني
خيبة السنين
نسير على طريق الهاربين
منذ الأزلية الشائبة
و لم نرغب بترك ذكرياتنا
ورائنا
لكن آلهة أخرى مغايرة
أعادت
بترتيب ما يقتلنا وجعاً
منذ متى و نحن نموت
بوحي الذاكرةِ
أو ربما متنا هناك بلا توابيت
و نسينا تاريخ الدفن
أو تأجل موعد التراب
معنا
لبعض الوقت
حملنا أجسادنا المتهالكة
مجبرين على الرحيل
و رحنا نعبر وجع الحكايات
دون نجاة
فأحلامنا الصغرى هي حجارة
الطرق البعيدة
سفرٌ على طريقةُ
الموت
أرواح الغد
لا تسكننا لكي نحلم
بالحياة
على باب النسيان تهنا
بعناوين الأمس
و نسينا أن نكتب على نهد
إمرأة مقتولة
وصية العمر الخاسر
للراحلين القدماء
هل أخذنا من الوقت ما يكفي
لنموت أكثر
كانت لنا قصصٌ كثيرة
نرددها هناك
تباعدت السماء بضباب
خيبتها
و راحت تشتكي للحجارة
لتنجو من خوفنا
كنا بالأمس نسقي مقابر
أمواتنا بالماء
و نقرأ الفاتحة بشهية
لتستكن الأحزان
بداخلنا
عاريةٍ هي أحلامنا
و كافرة
و الريح مازال يحمل عنا
هموم الزمان
و يمضي نحو البعيد
دون أفقٍ ظاهر
و المكان لم يعد مثل
أي مكان
شاخت من أمامنا كل الأيام
من القهر
أصبحنا غرباء عن أرواحنا
المتعبة
تغير لون العناق و كل
الأشياء
تلاشت بباب القصيدة
قلتُ للحب . ؟
خذ من وجعي كذبتكَ
الكبرى
و ارحل إلى حيث ينتهي
العاطفة و الشوق
فهنا أردنا أن نحيا معك
و لو سراً .
لكنهم خيبوا ظننا بتلهفنا
عليهم و طعنوا
كل الأجزاء من العمر
الطويل
و حطموا أجنحتنا كي لا
نطير مع الفراشة و نحلم
بلقاء الزهرة
يا حب نحن أصحابك
القدامى
فلم نعد نملكُ منك سوى
أسمك الجميل
و نسينا كلَ صفاتك يوما
انكسرنا بمراياك
تفرقنا نحن و السعادة
و تخاصمنا قهراً
نسكن وجه الخيال دوماً
برغبتنا
كي لا نموت بالحقيقة
منكسرين
كم نحن متعبين بوجع
الحياة
فلم يعد بأجسادنا أرواحٌ
حية
كي نحيا بها واثقين
بطلوع
الفجر البعيد
تعاستنا هي مكيدتنا
الوحيدة
فنعود من الغياب إلى
الغياب
تائهون
ضائعون
نائمون بسرير الأوجاع
بلا شفاء
عابثون بين الحقيقة و
الخيال
فعلى طريق الخوف
نبكي
كي ننسى ما يؤلمنا
جاؤوا متنكرين بعبادة
الآلهة
سرقوا من صدرنا كلَ
الهواء
و كذبوا على الله حينما
استراحوا هناك
و رتبوا لنا قبوراً من
الريح
قالوا نحن أبناء الغراب
العابرون
أكلوا من لحمنا و شربوا
من دمِنا حتى ثملوا
ثم سجدوا للشيطان بأكفاننا
واقفين
كنا نرسمُ لحظاتنا هناك بضحكة
الصباح
و كنا نتأمل شكل القمر
بليلنا الهادئ
ماذا كان سيحدث لو أن
الأقدار
رحمتنا قبل ساعة الإعدام
بقليل
كان ينقصنا بعض الحظ
من البحر
كنا نحتاج جناحين من
ريح
كي نشق سحاب المرايا
مسافرين نحو البعيد
كنا قد ملكنا من السماء
غيمها الخفيف
و رتبنا أحلامنا البريئة
قبل الهزيمة
كانت صافية تلك الأيام
لا تمسها الغبار
كان كلُ شيء واضحٌ
و جميل
تهنا حائرين على دروب
الغربة
و تبعثرت بنا كلُ الخطوات
شتاتً
سنكتب فوق الحجر دمعنا
الأبدي
و سنعلق الصليب المقدس
بين قتيلين
ماتَ حينما اشتدَ الغياب
بوجعهما
فقصدوا الموت المبكر و
تجمدوا حالمين
كي يرتاحوا من العبث
البغيض
و ناموا على أبواب الجنة
ينتظرون الخلاص
قد مللنا من أنفسنا و فقدنا
كل الرغبات
و مازلنا نفتقد لفسحة صغيرة
نافذة
حتى نتنفس برائحة
الحياة
أين أنتِ يا أيتها الحياة
و لما
كلما اقتربنا منكِ تبتعدين
لألف ميل
قولي ماذا كان ينقصني
كي
نشعر بأننا مازلنا من
الأحياء
قولي ما هو السر الخافي
بيننا
و أي جدارٍ يفصلنا
لما نراكِ كالشمس تحرقيننا
من البعيد
و ترحلين من حلمنا
القديم
كيف سنحترم القيامة
و نحن لسنا بمبشرين بقدوم
المسيح للعدالة
قد خذلتنا يا أيها العمر
المقهور
حين أورثتنا من سنينك َ كل
ما هو مر
و أوجعتنا بظهورنا الثقيلة
بكسرها
حتى يوم القيامة سنحمل
ندم هذا العمر
فآهٍ على الذي كان أشبه
و أوجع من الموت
ذبلنا و ترهلت مواقدنا
و جلسنا كالحجر
محبطين
لم يعد هناك ما يشبهنا
بألم السقوط
فأصبحنا فارغين لم نعد
نحمل سوى خيبتنا
الصادقة
قد عرفنا جيداً كيف
نموت مسرعين
و عرفنا طريقهُ الحافي
لكننا
نجهلُ العودة من الموت
لنحيا قليلاً
كي نحترم القيامة بذات
يوم
و لم نعد نملك رغبة العمر
المنهار
بأثر الطعن الكبير
لقد أصبحنا يا محمود مثل
الحجارة
لا مكان للأحلام بداخلنا
لكي تعيش
فراغ فراغ فراغ
كالصحراء أجسادنا صارت
يبعثرها الريح كيفما
يشاء
بلا روح
بلا حياة
حسرتنا تختصر درب الممات
و تشرق بقتلنا ...... .
مصطفى محمد كبار
حلب سوريا ٢٠٢٣/١٢/١٠
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق