الأربعاء، 15 يناير 2025

صرخة الروح في متاهة الضمير للشاعرة دنيا صاحب

 صرخةُ الرُّوحِ في متاهةِ الضَّميرِ


في أَعماقِ رَأْسٍ مُهَشَّمٍ،

تَتَشابَكُ الخُطوطُ كالأشواكِ،

تَتَماوَجُ في أَروِقَةِ الظِّلام السَوداء،

حيثُ يَتَنازَعُ الصَّمْتُ مع أَنِينِ الأَرْواحِ.


أَيُّها الضَّمِيرُ المُتَلاشِي،

يا مَنْ أَصبَحْتَ غَيمَةً تُطارِدُها رِياحُ الصِّراعِ،

أَفِي سُجونِ الذِّكْرَيَاتِ تَختَبِئُ؟

أَمْ في مُستَنقَعَاتِ الأَحلامِ الضَّائِعَةِ تَغُوصُ؟


في لَيْلِ الضَّياعِ،

تَتَمَدَّدُ الأَيْدِي نَحْوَ أُفُقٍ مُعتِمٍ،

تَبحَثُ عن وَطَنٍ مَحفورٍ في الذَّاكِرَةِ،

لكنَّ الرُّوحَ تَتَعَثَّرُ بِأَشلاءِ الحَقَائِقِ،

فَتَتَحوَّلُ الأَرْضُ إلى مَسْرَحٍ للصَّمْتِ المُنْهَكِ.


يا ضَمِيرَ الإِنْسَانِ،

هَلْ تَختَبِئُ خَلْفَ جُدرانِ الأَسئِلَةِ؟

أَمْ انصَهَرْتَ في مَعْدِنِ الزَّيْفِ؟

كُلُّ صَوْتٍ يَقتَرِبُ لِيَكشِفَ حَقِيقَتَكَ،

يَتَلاشَى كَغُصْنٍ تَكَسَّرَ في رِيحِ التِّيهِ.


تَصْحُو النُّفُوسُ على أَطلالِ ذَاتِهَا،

تُلامِسُ بَقايَا مَلامِحٍ تَنَاثَرَتْ في المَرَايَا،

لكنَّ شُعاعاً خافِتاً يَتَسَلَّلُ بَيْنَ الصُّخُورِ،

وَيُنَادِي: "البَحْثُ عنْكَ يَنْبُضُ في كُلِّ عِرْقٍ."


يا إِنْسَانَ اليَومِ،

هَلْ تَجرُؤُ أَنْ تَنْزِعَ أَقْنِعَةَ الخَوْفِ؟

أَنْ تَسْتَعِيدَ صَوْتَكَ مِنْ بَيْنِ أَصْوَاتِ الرِّيحِ؟

أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْكَ نَحْوَ نَجْمٍ

يُضِيءُ عَتَمَةَ هَذَا العَالَمِ؟


في أَعماقِ الرَّأْسِ كَوْمَةُ أَوْرَاقٍ تَحْتَرِقُ،

كُلُّ وَرَقَةٍ تُخَبِّئُ مَاضِياً يَضِجُّ بِالحَيرَةِ،

لكنَّ الرَّمَادَ يُنفَثُ أَنْفَاسَ النِّهَايَةِ،

وَيُولَدُ السُّؤَالُ مُجَدَّداً:

"كَيْفَ تُصَاغُ الحَيَاةُ بِلا ضَمِيرٍ؟"


أَيُّهَا الإِنْسَانُ المُثْقَلُ بِالعَجْزِ،

تَحَرَّر مِنْ حِبَالِ الأَوْهَامِ،

وَاقتَرِبْ مِنْ ذَاتِكَ كَمَنْ يَكْتُبُ حَقِيقَتَهُ

على صَفْحَةِ النُّورِ.

اكْتُبْ مَا فَاتَكَ بِقَلَمِ الضَّمِيرِ،

لَعَلَّهُ يُضِيءُ طَرِيقَكَ وَيَغْزِلُ لِلحَقِيقَةِ خَيْطاً مِنْ ضِيَاءٍ.


ابْحَثْ عنْ ذَاتِكَ في دَهَالِيزِ الظَّلَامِ،

وَافْتَحْ بَابًا نَحْوَ النُّورِ الإِلَهِيِّ،

لَعَلَّ الحَرْفَ المُضِيءَ يُعِيدُ لَكَ وَحْدَتَكَ مَعَ الكَوْنِ في صَمْتِ التَّأَمُّلِ العَمِيقِ.


لا تَخَفْ أَيُّهَا الإِنْسَانُ،

فَالضمِيرُ شَمْسٌ لا تَغِيبُ خَلْفَ الهَزِيمَةِ،

وَفي نِهَايَةِ الطَّرِيقِ،

يُشْرِقُ كَقِنْدِيلٍ تُحَلِّقُ نَحْوَهُ أَجْنِحَةُ الأَمَلِ.


هُنَاكَ، في مَرْفَأِ السَّلَامِ الأَزَلِيِّ،

تَتَلَاشَى الوُجُوهُ المُشَوَّهَةُ،

وَيَظْهَرُ وَجْهُ الإِنْسَانِ الحَقِيقِيِّ،

بَسِيطاً، صَادِقاً، خَالِياً مِنَ الزَّيْفِ.


يا كَائِنَ السَّرَابِ،

لَمْ يَكُنِ البَحْثُ عنْكَ في الأُفُقِ،

بَلْ في أَعماقِ ذَاتِكَ السَّحِيقَةِ.

سِرْ في دُرُوبِكَ، وَلا تَخْشَ،

فَالرُّوحُ مَحْكُومَةٌ بِالبَحْثِ حَتَّى تَجِدَ أَصْلَهَا.


في كُلِّ خُطْوَةٍ يَنْبُضُ السُّؤَالُ،

يَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَصْدَاءِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ:

 هَل كَانَتِ الأَرْضُ لِتَحمِلَنَا

لَوْلا صَدَى أََحلامٍ وَأَمنياتٍ

مَا زَالَتْ تَنْبُضُ فِينَا؟


في النُّورِ نَسْتَشِفُّ بَرِيقَ الحَيَاةِ،

وَفي الصَّمْتِ نُدْرِكُ سِرَّ الخَفَاءِ.

فَاحْمِلْ في قَلْبِكَ أَمَلًا،

فَالضمِيرُ يَنْبَثِقُ كَالفَجْرِ مِنْ عَتْمَةِ الظَّلَامِ.


يا مَنْ تَسِيرُ على دَرْبِ الكَشْفِ

في غَياهْبِ الطُّرُقِ، لا تَيْأَسَنَّ إِنْ غَابَ النُّورُ.

فَالصَّمِيرُ، وَإِنْ تَوَارَى،

يَبْقَى صَدَاهُ يَهْتِفُ: "عُدْ يا صَاحِبِي."


لا تُطْفِئِ الأَمَلَ في قَلْبِكَ،

فَحِينَئِذٍ يُشْرِقُ النُّورُ،

وَتَزْهَرُ الرُّوحُ حِينَ تَتَمَسَّكُ بِجُذُورِ الحَقِيقَةِ.

ابْنِ مِنَ الحُطَامِ جِسْراً،

وَاعْتَلِ نَحْوَ حَقِيقَتِكَ،

لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِيكَ،

حَتَّى إِنْ تَوَارَى في أَعْماقِ الغِيَابِ.


نص : الشاعرة دنيا صاحب - العراق 


اللوحة الفنية : للفنان الرائد د. علاء بشير - العراق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق