أ.د. لطفي منصور
آهٍ يا زَمَني!!
كَمْ نِلْتَ مِنِّي وَأوْجَعْتَني
كَمْ طَحَنْتَنِي وَعَجَنْتَنِي وَخَبَزْتَنِي
فَوَجَدْتَني صَلْدًا مُرًّا فَقَذَفْتَنِي
لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَزْدَرِدَني
كُلَّما أَطَحْتَنِي أَرْضًا أَحْزَنَنِي
لَكِنْ أَقومُ مُنْتَصِبًا
عَزيمَتِي لَنْ تَخْذِلَنِي
أَتَذْكُرُ يا زَمَنِي عِنْدَما كُنْتُ في السُّوقِ
أنامُ في اللَّيْلِ عَلَى الصَّناديقِ تَحْمِلُنِي؟
وَأُصْبِحُ في مَزْرَعَةِ الْقَصَبِ
أَقْطَعُها حُزَمًا وَالْعَرَقُ يَغْمِرُنِي
أَتَذْكُرُ كِتابَ "أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَة"
أُخْفيهِ بَيْنَ صَدْرِي وَساتِرَتِي
يَبيتُ مَعِي يُساهِرُنِي عَلَى ضَوْءِ شَمْعَةٍ
تَأْكُلُ مِنْ خَدِّي وَناظِرَتِي
وَشِعْرَ عَنْتَرَةَ أَحْفَظُهْ وَأُنْشِدُهُ:
إذا كَشَفَ الزَّمانُ لَكَ القِناعا
وَمَدَّ إلَيْكَ صَرْفُ الدَّهْرِ باعا
فَلا تَخْتَرْ فِراشًا مِنْ حَرِيرٍ
وَلا تَبْكِ الْمَنازِلَ وَالْبِقاعا
وَمِقْثاةَ الْبِطِّيخِ يَوْمَ كُنْتُ أَحْرُسُها
وَسَميري تَغْرِيبَةُ بَنِي هٍلالِ
وَيَقودُهُمْ الْبَطَلُ أبُو زَيْدِ الْهِلالِي
حَدِّثْ يا زَماني عَنْ أَوَّلِ حُبٍّ لِي
استَقَيْتُهُ مِنَ الأَجْنِحَةِ الْمُتَكَسِّرَةِ
وَتَحْتَ ظِلالِ الزَّيْزَفونِ، وَعَشِقْتُ يا زَمَنِي
حَتَّى النُّخاعِ أرْمانوسَةَ الْمِصْرِيَّةَ، داتَ
العُيونَ الْفِرْعَوْنِيَّةْ، وَالجَديلَةَ السَّبَئِيَّةْ.
أمّا رِواياتُ تاريخِ الإسْلامِ فَجَعَلْتُها:
دينِي وَدَيْدَنِي.
كُلُّ هذا يا زَمَنِي عِنْدَ بُزوعِ شَبابي
عارَكْتَنِي فَلَمْ فَلَمْ تَعْرُكْنِي
فَالشَّبابُ وَالْفُتُوَّةُ كانا أشَدَّ مِنْكَ ضَراوَةً
يا زَمَنِي!
سَقَى اللَّهُ أيّامَنَا الجَميلَةَ تِلُكْ
والْيَوْمَ نَرْجُو الزَّمَنَ أنْ يَغْفُلَ عَنّا
وَيُبْقِيَ لَنا فُسْحَةً الأَمَلِ
فَمَعْرَكَتُنا مَعَ الزَّمِنِ محسومَةٌ خاسِرَة.
وَأَسْأَلُ اللَّهَ السَّلامَةَ لِلْجَميعِ
في ذِكْرَى إسْراءِ النَّبٍيِّ وَمِعْراجِهِ
آمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق