الاثنين، 10 مارس 2025

الرزق والسعي للأستاذ،د. لطفي منصور

 أ. د. لطفي منصور

الرِّزْقُ والسَّعْيُ:

"ينالُ الْفَتَى مِنْ عَيْشِهِ وَهْوَ جاهِلْ

وَيُكْدِي الْفَتَى في دَهْرِهِ وَهْوَ عالِمُ

وَلَوْ كانَتِ الْأَرْزاقُ تَجْرِي عَلَى الْحِجا

هَلَكْنَ إذًا مِنْ جَهْلِهِنَّ الْبَهائِمُ"

هَذهِ مِنْ حِكَمِ الشّاعِرِ الْحَكِيمِ أَبِي تَمّامٍ الْمَشْهُورَةِ. فَالْأَرْزاقُ لا تَرْتَبِطُ بِالْعَقْلِ . وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَهَلَكَتِ الْبَهائِمُ الَّتي لا عُقُولَ لَها.

يُعْطي الشّاعِرُ مَثَلًا في الْبَيْتِ الثّانِي مُلَخَّصُهُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعارِفينَ مُكْدُونَ أَيْ فُقَراءُ أَصابَهُمُ الْعَوْزُ. وَكَثِيرٌ مِنَ الْجُهالِ يَرْتَعُونَ في النَّعِيمِ.

بِكَلِماتٍ أُخْرَى يَرَى أبُو تَمّامٍ أَنَّ الرِّزْقَ مَكْتُوبٌ عَلَى الْإنْسانِ ، وَهذا ما شَهِدَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي آياتٍ كَثِيرَةٍ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ الْكَريمُ.

"وَفي السّماءِ رِزْقِكُمْ وَما تُوعَدُون". كُلُّ هذا صَحيحٌ وَأُومِنُ بِهِ. لَكِنَّ السَّماءَ لا تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلا فِضَّةً. فَالْغَيْثُ السّاقِطُ مِنَ السَّماءِ لِيَرْوِيَ الْأَرْضَ، إذا لَمْ يُسْتَغَلَّ في الْحَرْثِ والْغَرْسِ، فَمِنْ أَيْنَ يَأْتِي الرِّزْقُ. وَفي الْقُرْآنِ "وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ". الرِّزْقُ لا يَأْتي إلّا بِالسَّعْيِ الصَّحِيحِ نَحْوَ الْغايَةِ لِلْوُصُولِ إلَيْها بِأَقْصَرِ السُّبُلِ وَأَنْجَعِها.

قُلْنا سابِقًا وَلا زِلْنا نَقُولُ الْحَياةُ هَدَفٌ. وَمَنْ لا هَدَفَ لَهُ يَسْعَى إلَيْهِ بِالطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ الْمَدْرُوسَةِ الْمُجَرَّبَةِ لَنْ يُفْلِحَ فِي هَذِهِ الْحَياةِ. وَفي القُرْآنِ كَلامُ اللهِ  "لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعَى، وَإَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى.

وَخَيْرُ الشُّعَراءِ الَّذِينَ نَظَمُوا في الشِّعْرِ ابْنُ زُرَيقٍ الْبَغْدادي. يَقُولُ:

وَما مُجاهَدَةُ الْإنسانِ واصِلَةٌ

رِزْقًا وَلا دَعَةُ الْأنْسانِ تَقْطَعُهُ

وّاللهُ قَسَّمَ بَيْنَ النّاسِ رِزْقَهُمُ

لَمْ يَخْلُقُ اللهُ مِنْ خَلْقٍ يُضَيِّعُهُ

لَكِنَّهُمْ كُلِّفُوا رِزْقًا فَلَسْتَ تَرَى

مُسْتَرْزِقًا سِوَى الْغاياتِ تُقْنِعُهُ

(كُلِّفُوا: حَمَّلُوا أَنْفُسَهُمْ مالا يُطِيعُونَ طَمَعًا وَجَشَعًا)

وَالْحِرْصُ في الرِّزْقِ وَالْأَرْزاقُ  قَدْ قُسِمَتْ

بَغْيٌ أَلا إنَّ بَغْيَ الْمَرْءِ يَصْرَعُهُ

(الْبَغْيُ فِي الرِّزْقِ الطَّمَعُ وّالتَّجاوُزُ)

فًشِلَ ابنُ زُرَيْقٍ عِنْدَما تَجاوَزَ حَدَّ الرِّزْقِ إلَى الطَّمَعِ .

هَناكَ قُوَّةٌ مَسْتُورَةٌ عَنِ السّاعِي في طَلَبِ الرِّزْقِ هُوَ التَّوْفيقِ . وَهذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ. فَقَدْ يَحْدُثُ، وَهذا ما أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا، أَنَّ سُعاةً عِنْدَهُمْ كُلُّ الدِّرايَةِ وَالتَّجْرِبَةِ لا يُوَفَّقُونَ فِي الْوُصُولِ إلَى الْغايَةِ بِسَبَبِ عَوامِلَ طَبيعِيَّةٍ لا نَعْلّمُها. وَصَدَقَ الشّاعِرُ حِينَ قالَ:

لا تَلُمْ كَفِّي إذا السَّيْفُ نَبا

صَحَّ مِنِّي الْعَزْمُ وَالدَّهْرُ أَبَى

رُبَّ ساعٍ مُبْصِرٍ فِي سَعْيِهِ

أَخْطَأَ التَّوْفيقَ فِي ما طَلّبا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق