الاثنين، 26 مايو 2025

حين يبتسم الثلج للشاعر محمد الحسيني

 امرأة من ثلج 5

"حينَ يبتسمُ الثلجُ"


تَنْزَلِقُ السّيارةُ في منحدرِ الثّلجِ الخائنِ،

والعجلاتُ تصرخُ كصراخِ حبيبتي الذي يَخترقُ القلبَ:

"أمسِكِ المقوَدَ... لا تتركني!"

ثمّ صمتٌ أبيضُ...

صمتٌ أبيضُ كأكفانِ هذا الثلجِ.


استيقظتُ وسطَ هذا الزّجاجِ المهشَّمِ،

بوجهٍ مُغطّى بالدِّماءِ،

وأصواتُ الذّئابِ تَقتربُ،

بعينينِ تَبحثانِ...

أينَ؟!

اختفَت!!


الذِّئابُ تقتربُ...

وفي اللحظةِ،

كأنّي أفتحُ حياةً جديدةً في الاتّجاهِ الخطأ...

فتحتُ البابَ، وترنّحتُ بالخُطوة صاعدًا أعلى المنحدرِ،

ما بينَ ارتجافةِ قلبٍ خائفٍ... وعُواءٍ لا يَغفرُ...


وصلتُ القمّةَ وقد نجوتُ بنصفِ ضميرٍ...

صرختُ للذِّئابِ، للثَّلجِ، للسَّماءِ...

كأنّ الصّدى وحدَهُ يردّ بصوتي المنكسرِ.


بأنانيةٍ يَغمرُها الخوفُ،

عُدتُ أدراجي...

جمعتُ ملابسي، عطري، وأعذاري،

وفي القطارِ إلى مدينتي...

حقيبتي ووجهُ أنينٍ لا يُسمَعُ.


نعم، قد عُدتُ إلى منزلي الدّافئ،

وتركتُها هناك...

طعامًا في العراءِ الأبيضِ.


قَهوتي الصّباحيّةُ لا طعمَ لها سوى الخسارةِ،

وفي صفحةِ الحوادثِ، كُشِفت حقيقتي بدمٍ أسودَ:

"العثورُ على جثّةِ أنثى مجهولةٍ في منحدرٍ ثلجيٍّ."

ليرتجفَ كلُّ شيءٍ حولي

بطَعمِ النّدمِ،

بظلالِ صرختِها الأخيرةِ بأنّها...

آخرُ مَن يثقُ بي...

آخرُ مَن يُناديني...

وأنا...

أهربُ.


الآن، أنا رجلٌ آخرُ،

زوجٌ، وأبٌ، وابنُ عائلةٍ مستقرةٍ.

أركضُ معهما في الحديقةِ،

ونبني ببراءةٍ مزيفةٍ تمثالَ ثلجٍ.

نَضعُ له قبّعةً، ونُلبسُهُ شالًا،

أضحكُ معهما كأنّي لم أَخُنْ أحدًا من قبلُ.


وعندَ نهايةِ المرحِ، كان الكلُّ في الداخلِ،

حينَ بقيتُ وحيدًا معها،

واقتربتُ...

وقد غرستُ الخاتمَ في أنفِها الجَزريِّ...

ليرتجفَ وجهُها الأبيضُ،

وتلتمعَ عيناها... وتبتسمْ.


رأيتُها... ابتسمتْ،

كأنّها تعرفُ كلَّ شيءٍ،

كأنّها تُسامحني،

تَحرُسُني، وتَحرُسُ عائلتي،

وتَحضُنُني...

بِحُبٍّ لا يُنسى.


( محمد الحسيني )


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق