الثلاثاء، 3 يونيو 2025

معجونة في العروق الصغيرة للشاعر محمد الحسيني

 كَسْرَةُ الضَّوْءِ الأَخِيرَةُ 3

"مَعْجُونَةٌ فِي الْعُرُوقِ الصَّغِيرَةِ"


يَأْخُذُهُ الطِّفْلُ مِنْ يَدِهِ الْكَبِيرَةِ، الْمُرْتَجِفَةِ

"تَعَالَ... سَأُرِيكَ"

يَسِيرُ بِهِ عَبْرَ مَمَرَّاتِ الزَّمَنِ الْمُظْلِمَةِ، حَيْثُ أَنْوَارُ شُمُوعٍ مُحْتَضَرَةٍ


"هُنَا... فِي هٰذَا الْمَكَانِ"

يُشِيرُ الطِّفْلُ بِإِصْبَعِهِ الصَّغِيرِ إِلَى زَاوِيَةٍ تَنْبِضُ بِالْأَلَمِ


السَّنَةُ وَالنِّصْفُ... عُمْرُ كَلِمَاتٍ لَمْ تُولَدْ بَعْدُ

الرَّجُلُ... يَرَى نَفْسَهُ صَغِيرًا، مُعَلَّقًا فِي الْهَوَاءِ، بِيَدَيْ أَبِيهِ الْغَاضِبَتَيْنِ

وَصَوْتُ أَبٍ يَزْأَرُ فِي وَجْهِ أُمِّهِ

"أَنْتِ... أَنْتِ السَّبَبُ"


الطِّفْلُ الصَّغِيرُ يَطِيرُ لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ

ثُمَّ... يَسْقُطُ عَلَى السَّرِيرِ كَطَائِرٍ قُطِعَتْ جَنَاحَاهُ

وَالصُّرَاخُ...

صُرَاخُ الْأُمِّ وَالطِّفْلِ يَمْلَأُ الْبَيْتَ بِالْوَجَعِ الْمُدَمِّرِ


يَحْتَضِنُ الرَّجُلُ طِفْلَ السَّابِعَةِ وَيَرْتَجِفَانِ مَعًا

حِينَ تَظْهَرُ حَلْقَةُ انْكِسَارِ قَلْبِ الصَّغِيرِ أَوَّلَ مَرَّةٍ


"وَهُنَا أَيْضًا..."

يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْنٍ آخَرَ مِنَ الْبَيْتِ الْكَبِيرِ

الْخَامِسَةُ... عُمْرُ الْأَسْئِلَةِ الْمَخْنُوقَةِ، حِينَ يَرَى الرَّجُلُ نَفْسَهُ طِفْلًا يَرْتَجِفُ كَعُصْفُورٍ مُبَلَّلٍ... تَحْتَ الْمَطَرِ الْغَاضِبِ


"تَعَالَ هُنَا..."

الآنَ صَوْتُ الْأَبِ يَدُقُّ كَطُبُولِ حَرْبٍ

وَالطِّفْلُ الصَّغِيرُ يَجْرِي...

وَيَجْرِي، كَالصَّدَى الْمُطَارَدِ فِي الْمَمَرَّاتِ الضَّيِّقَةِ

يَبْحَثُ عَنْ مَخْبَإٍ فِي الْبَيْتِ الَّذِي أَصْبَحَ...


تَأَمَّلَ الرَّجُلُ مَلَامِحَ الطِّفْلِ جَيِّدًا...

كَانَتْ مَعْجُونَةَ خَوْفٍ فِي الْعُرُوقِ الصَّغِيرَةِ...

كَحِبْرٍ أَسْوَدَ يَجْتَاحُ صَافِيَةَ الْمَاءِ


"أَرَأَيْتَ؟..."

يَسْأَلُ طِفْلُ السَّابِعَةِ، حِينَ تَسَاقَطَتِ النَّظْرَةُ جَرَّةَ دُمُوعٍ ذَابِلَةٍ

يَهُزُّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَحْتَضِنَ ذَاكَ الطِّفْلَ لِيَبْكِيَانِ مَعًا...

أَنْ يَحْمِيهِ مِنْ كُلِّ مَا رَأَى

وَحِينَ يَمُدُّ إِلَيْهِ الْيَدَيْنِ...

يَخْتَفِي فِي الضَّبَابِ، أَوْ

يَذُوبُ

يَتَلَاشى كَحُلْمٍ لَحْظَةَ اسْتِيقَاظٍ...

لِيَغْرَقَ الرَّجُلُ فِي الصَّمْتِ الْمُرِيبِ


"أَكَانَ الطِّفْلُ حَقِيقِيًّا؟

أَمْ كَانَ صَدَىً لِرُوحِهِ الْمَكْسُورَةِ؟..."

لَا يَعْرِفُ... حَقًّا لَا يَعْرِفُ، إِنْ كَانَ يَبْحَثُ عَنِ الطِّفْلِ أَمْ يَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهِ

لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ الطِّفْلُ اخْتَفَى أَوْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اخْتَفَى مُنْذُ لَيْلٍ بَعِيدٍ

زَاوِيَةُ الْبَيْتِ الْكَبِيرِ...


شَيْءٌ مَا يَلُفُّ عُنُقَهُ

لَيْسَ شَالًا

بَلْ ضَبَابٌ كَثِيفٌ يَحْتَوِيهِ

رُبَّمَا... بِأَنَّ شَيْئًا خَطِيرًا سَيَحْدُثُ

صَدَى أَقْدَامٍ كَثِيرَةٍ فِي الْمَمَرَّاتِ الْبَعِيدَةِ

وَأَصْوَاتٌ تَتَسَلَّلُ مِنْ تَحْتِ أَبْوَابٍ

كَأَنَّمَا الْبَيْتُ الْكَبِيرُ يَبُوحُ بِأَسْرَارِهِ

كَأَنَّ الطُّفُولَةَ الْمَفْقُودَةَ تَتَجَمَّعُ مِنْ كُلِّ الزَّوَايَا لِتَقُولَ كَلِمَتَهَا الْأَخِيرَةَ


(مُحَمَّدُ الْحُسَيْنِي)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق