كسرةُ الضّوءِ الأخيرة 5
"الطِّفلُ الّذي عادَ بي"
كسرةُ ضوءٍ تدخلُ من النّافذةِ المُتّسخة،
تسقطُ على وجهَيهِما معًا،
تُنيرُ اللّحظةَ الّتي سيختارُ فيها...
أن يبقى سجينَ ماضيه،
أو يحتضنَ طفولتَهُ المجروحة.
يشعرُ الرّجلُ بأنّ شيئًا ما... يتفكّكُ في صدرِه،
كَمِثلِ عقدةٍ قديمةٍ تبدأُ في الانحلال،
أو جُرحٍ مفتوحٍ منذُ عقودٍ يبدأُ في الالتئام.
يجلسُ على الأرضِ أمامَ الطِّفلِ مباشرةً...
عيناهُ في عينيهِ، وللمرّةِ الأولى، منذُ سنواتٍ، لا يشعرُ بخوف.
"أعرفُ من أنت..."
يقولُ بصوتٍ مُختلفٍ،
صوتٍ فيهِ رقّةٌ لم تكُن موجودةً من قبل:
"أنتَ أنا... وأنا أنتَ...
أنتَ الجزءُ الّذي ظننتُهُ مات."
وعلى وجهِ طفلِ السّابعة، ترتسمُ ابتسامةٌ حزينة:
"ظننتُ أنّك نسيتَني نهائيًّا..."
"لا، لم أنسَكَ أبدًا،
لكنّني كنتُ أهربُ منك، لأنّك تُذكّرني بالألم..."
يمدُّ الرّجلُ يدَهُ ويلمسُ رأسَ الطِّفل،
ليَشعرَ بدفءٍ حقيقيٍّ تحتَ أصابِعِه:
"لكنّني الآن أفهمُ أنّك لستَ الألم...
أنتَ الحَلّ."
تتساقطُ الدّموعُ من عينيِ الرّجلِ كالمطر،
دموعٌ حبيسةُ عقودٍ تتدفّقُ أخيرًا بحُرّيّة...
"سامحني..."
يهمسُ، والصوتُ يرتجفُ في حلقِه:
"سامحني لأنّني تركتُكَ وحيدًا في هذا البيتِ المُظلِم...
سامحني لأنّني أصبحتُ مِثلَه... مثلَ ذاك الأبِ الّذي كسَرَنا..."
الطِّفلُ يمدُّ يدَهُ الصّغيرةَ ليمسحَ دموعَ الرّجل:
"لستَ مثلَه... لم تكن أبدًا مثلَه...
أنتَ كنتَ تحاولُ أن تنجو،
وأنا أفهمُ ذلك..."
شيءٌ يحدثُ في قلبِ الرّجل،
كأنّ جدارًا سميكًا بُنِيَ من الغضبِ والخوفِ يبدأُ بالانهيار...
حجرًا وراءَ حجر...
حينَ يجدُ خلفَ هذا الجدارِ قلبًا صغيرًا
ينبضُ بكلِّ الحبِّ الّذي ظنّ أنّه فقدَه.
"أريدُ أن آخذَكَ معي..."
يقولُ بصوتٍ حازمٍ لكنّهُ حنون:
"لكنْ ليس لنختفي من هذا العالم،
بل لنُواجهَهُ معًا...
أنا بخبرتي، وأنتَ ببراءتك."
يقفُ الرّجلُ ويمدُّ يدَهُ للطِّفل،
يقفُ الطِّفلُ ليمسكَ بها... بثقة.
للحظةٍ، يشعرُ الرّجلُ أنّهُ اكتمل،
كأنّ قطعةً مفقودةً من أُحجِيَةِ حياتِه
عادت إلى مكانِها الصّحيح.
"لن أتركَكَ وحيدًا مرّةً أُخرى..."
يقولُ وهو يحتضنُ الطِّفل:
"سَنعيشُ معًا في قلبٍ واحد..."
والطِّفلُ يضحكُ...
يضحكُ للمرّةِ الأولى ضحكةً حقيقيّة، نقيّة،
تملأُ البيتَ الكبير...
يسيرانِ معًا نحوَ بابِ البيت،
هما شخصٌ واحدٌ يحملُ في قلبِه
براءةَ الطّفولةِ، وحكمةَ النّضج.
وعندَ الباب...
يلتفتُ الرّجلُ، ينظرُ إلى البيتِ الكبيرِ للمرّةِ الأخيرة:
"شكرًا..."
يهمسُ للجدرانِ الّتي احتوتْ ألمه:
"شكرًا لأنّكَ حفِظْتَ لي طفولتي..."
★★★
الجيرانُ الّذين رأوهُ يدخلُ مُنكسِرًا،
يرونهُ الآن يخرجُ كاملًا...
ولكن... يسمعونَ شيئًا غريبًا:
صوتَ أقدام... أقدامِ اثنين
يسمعونَ بوضوحٍ صوتَ أقدامٍ صغيرةٍ تجري بفرح،
وأقدامٍ كبيرةٍ تمشي بسلام...
أكان الطِّفلُ حقيقيًّا؟
أم أنّ الرّجلَ قد التأمَ أخيرًا مع الجزءِ المفقودِ من روحِه؟
لا أحدَ يعرفُ الحقيقة...
كلُّ ما في الأمر، أنّ رجلًا خرجَ من بيتٍ قديم،
يحملُ في قلبِه السّلام،
وفي عينيه كسرةَ ضوءٍ أخيرة
لن تنطفئ... أبدًا.
( محمّد الحسيني )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق