🌹 مَلَكُوتُ الْأُنْثى الْمُلْهَمة 🌹
✍️ بقلم: فُؤاد زاديكِي
تَتَهادى إِلَيَّ كَأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنْ نُورٍ، تَسْبِقُهَا هَالَةُ أُنُوثَتِهَا، وَ يَفُوحُ عِطْرُهَا قَبْلَ أَنْ تَلُوحَ طَلْعَتُهَا، فَتَخْتَلِجُ رُوحِي، وَ تَتَفَتَّقُ أَزَاهِيرُ الْحَرْفِ فِي كَيَانِي.
يَا لَهَا مِنْ أُنْثَى! لَيْسَتْ كَسَائِرِ النِّسَاءِ، بَلْ هِيَ سِرُّ الْبَهَاءِ، وَ تَاجُ الْوُجُودِ، وَ مِفْتَاحُ الشِّعْرِ وَ الْوَحْيِ. هِيَ، الَّتِي تُفَجِّرُ الْمَعَانِي فِي أَعْمَاقِي، وَ تُطْلِقُ نَارَ الْبَيَانِ فِي جَنَانِ خَيَالِي.
فِي حُضْنِهَا أَصِيرُ طِفْلًا، تَحْمِلُنِي كَفَّاهَا إِلَى عَالَمٍ مَلآنٍ بِالْحُلْمِ وَ الْحَنَانِ. تُعَلِّمُنِي لُغَةَ الْعِشْقِ، وَ شَعَائِرَ الْهُيَامِ، وَ تَأْخُذُنِي فِي رَحْلَةٍ مِنْ نَشْوَاتِ النَّظَرِ وَ نَبْضِ الشَّهْوَةِ الْبَرِيئَةِ.
أُنْثَايَ لَا تَطْلُبُ شَيْئًا، فَقَدْ عَرَفَتْ طُرُقَ الْقَلْبِ، وَ كَيْفَ تَسْكُنُهُ كَالْقُدْسِ، وَ تَغْرِسُ نَفْسَهَا كَشَجَرَةِ زَيْتُونٍ فِي صَدْرِي.
هِيَ، الَّتِي تَجْلِسُ أَمَامِي وَ تَنْظُرُ فِي عَيْنَيَّ، فَأَشْعُرُ أَنَّ الْكَوْنَ كُلَّهُ يَتَخَفَّفُ مِنْ صَخَبِهِ، وَ يَغْدُو صَوْتُهَا هُوَ الْوَتَرُ الْوَحِيدُ فِي أُذُنِي.
أَسْكُنُ حُضُورَهَا كَأَنِّي فِي مَعْبَدٍ، تُقَدِّمُ لِي فِيهِ طُقُوسَ الْعِشْقِ، وَ تُصَلِّي عَلَى أَعْتَابِ شَغَفِي. هِيَ الْكَاهِنَةُ، وَ أَنَا الْمَسْحُورُ، الَّذِي يَسْتَسْلِمُ طَوْعًا وَ شَوْقًا.
تَفْهَمُ صَمْتِي قَبْلَ كَلَامِي، وَ تَسْتَبِقُ شَهْقَاتِ قَلْبِي. فَهِيَ أُنْثَى الْإِشَارَةِ وَ الدِّلَالَةِ، تَكْفِي نَظْرَتُهَا لِتَفْتَحَ فِيَّ أَبْوَابَ الْوَحْيِ.
عِنْدَهَا أَصِيرُ شَاعِرًا، يُبْدِعُ مَا لَا يُقَالُ، وَ يَنْسُجُ مَا لَا يُتَصَوَّرُ. أَصِيرُ لِسَانَ الْجَمَالِ، وَ قَصِيدَةَ الْحَنَانِ، وَ نَغْمَةَ الْحُبِّ الْخَالِدِ.
يَا أُنْثَايَ، يَا قِصَّةَ النُّضْجِ وَ الْأَلَقِ، يَا مَنْ جَعَلْتِ مِنِّي قَارِبًا يُبَحِرُ فِي مَيَاهِكِ الْهَادِئَةِ وَ الْهَائِجَةِ.
إِنَّكِ لَسْتِ مَجَرَّدَ حَبِيبَةٍ، بَلْ أَنْتِ الْمُعَلِّمَةُ وَ الْمَلِهَامَةُ وَ الْمَسْكَنُ. تَسْكُنِينَ كُلَّ زَفْرَةٍ فِيَّ، وَ تَخْتَبِئِينَ فِي طَيَّاتِ قَلْبِي كَآيَةٍ سِرِّيَّةٍ.
وَ مَا كَانَ لِلشِّعْرِ أَنْ يُولَدَ لَوْلَاكِ، وَ مَا كَانَ لِلْعَشْقِ أَنْ يُسَمَّى عِشْقًا لَوْلَا لَمْسَاتُكِ، الَّتِي تُنْبِتُ النُّجُومَ فِي كَفِّي.
كُلُّ سَطْرٍ أَكْتُبُهُ فِيكِ هُوَ مَرْآةٌ لِجَنَاحِكِ، وَ كُلُّ بَيْتٍ شِعْرٍ هُوَ تَرْجُمَةٌ لِصَمْتِكِ الْعَطُوفِ.
فَلْتَبْقَيْ، يَا مَلَكَةَ قَلْبِي، تُشْعِلِينَ مَصَابِيحَ الْوَحْيِ فِي دَاخِلِي، وَ تُعَلِّمِينِي، كُلَّ يَوْمٍ، كَيْفَ أَكُونُ رَجُلًا فِي مَدْرَسَةِ الْحُبِّ، وَ شَاعِرًا فِي مَعْبَدِ الْأُنْثَى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق