الثلاثاء، 5 أغسطس 2025

تنورة درويش للكاتبة د. ندى مأمون إبراهيم

 تنّورة درويش


✍️ ل ندى مأمون .


قبيل الفجر، تدور أقدامهم تحت أنوار خيمتهم الملوّنة، فوق الحصير، بخفّة زنابق ماء طافية على وجه نهر يموج مع ارتفاع تنانيرهم وترانيمهم.


اقفز، واهبط على الأرض... كرّر الدوران.

دوائر النور تشفيك، تغسلك، وتفتح ناموس الكون الخفي،

اطلب خلودًا أبديًّا لروحك، وتفكّكْ من أدران ذاتك وقيود الجسد.

ارقص، واخلع الجذع من تنّورته...

طر عاليًا، ولاحقْ بيوت النجوم.

افعل كما يفعلون، وسبّح الملكوت...


لكنك، يا حزين، تعلم أنك لستَ منهم.

قدماك ثقيلتان، لا تبرحان الأرض، مغروستان بترس خطيئة، تشدّك إلى الأسفل.


يقولون: "حيّ!"، وتقول: "سيرين..."


كنتَ طفلًا، أنجبتْك راقصة مواسم، تقتات وتطعمك من فتات الموالد.

غرستك برعمًا في وحل الدنس.

ترقص، وترقص أنت معها بجذعٍ مضطرب.

صغيرٌ لم تعرف غيرها، فما ذنبك إن كانت هي...؟


انتظرتَ عقدًا ونصفًا لتقوى قدماك على الفرار، وتقطع حبلًا سرّيًّا خنق ذاتك، وحشرج النقاء في حنجرتك.

زحفتَ في ليلةٍ مظلمة، كخفّاشٍ أعشى، بين الحشائش...

وتتبعتَ النور... خلاصك كان خيمة العابدين.


حشرتَ ذاتك المتعبة بين أجسادهم، حرّكتَ جذعك، وأنت تعرف هذه المرّة أنه جذع يتطهّر...

أدرتَ رأسك يمنةً، ثم يسرةً،

وأرسلتَ إلى السماء دمعةً ترنو إلى خلاص.


ألبسوك التنّورة، والعهدُ الجديد.


لكنك ما زلت لا تشبههم...

في معالمك شيءٌ من ملامحها، وسرٌّ قديم لا تغطّيه التنانير.


ماذنبك أن ترث التركة عنوةً، وأنت لم تسألها إرثًا؟

يطلّ عليك شيطانها بجبروته كلّما ترنّمتَ بالتواشيح،

يُعايرك بتمايُل جسدها القديم...


يومها... استفزّ الشيطان جلباب طُهْرك لينزع النور.

ذكّرك بطفولتك الأولى، عندما رأيتها عند زاوية الخيمة، تبيع فاكهة، وتلاطف الجميع بضحكاتها.

ضحكاتٌ تزلزلهم، وتنزلهم في باطن الأراضي السبع، مع حمم الجحيم.


استدرجتها، ونزعتَ سريعًا سكينًا كانت تُقطّع بها الفاكهة، فقطعتَ انتقامًا شريانها.

ثم مددتَ لسانك لشيطانها، مزهوًّا، قبل أن تتبيّن ملامحها...

سيرين لم تكن أمّك... سيرين، صورتُها...


فررتَ مجدّدًا إليهم... تستغيث بالخيمة.

ودفعت جسدك المذعور بينهم، لتُخبّئ سرًّا أعظم...

ثم حاولتَ إرسال دمعتك إلى السماء، لكنها سالت مع عرقك، فامتصّتهما شقوق الأرض...


بدأتَ الدوران مع دورانهم...

لا بدّ أن ترتفع بتنّورتك فوق تنانيرهم...

لا تتركها تئنّ بثقل الخطايا.

ارقص أكثر...

العن شيطانيهما ألف لعنة، وحرّر بقاياك من العبث...

فكّ التروس، وألقِ روحك في السماء... ولا تعد.


المريدون حولك مصطفّون، يصفّقون، يتعجّبون من دورانك السريع، ويهلّلون لارتفاعك فوق أضواء الخيمة.

يحسبون أن كرامات الدرويش قد حضرت...

والدرويش لا يرقص عبثًا... ولا ينشد إسعادهم...

يريد خلاص روحه أوّلًا...


يزيد تصفيقهم... فتزيد ترنُّمًا وارتفاعًا...

وتدور كإعصارٍ يبدّد عتمة الليل وسكونه...


صراخ روحك مزّق أشلاء الجسد، ففررتَ منه مع سطوع الشمس في الصباح...


تلفّتَ المريدون بعدها في المكان الذي غمره الضوء، يتساءلون ويقسمون أنهم رأوك ليلتَها في الخيمة بينهم...

تنّورتك ملقاة على الأرض أمامهم، قرب نعالك، الذي ما زال يحتفظُ بدفءِ قدمك،

لكن... مَن يُجيب تساؤلاتهم؟


---

الكاتبة : د. ندى مأمون إبراهيم. - 2025 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق