الثلاثاء، 26 أغسطس 2025

الفوضى سيدة البيت للشاعر سيد حميد عطاالله الجزائري

 الفوضى سيدة البيت

بقلم سيد حميد عطاالله الجزائري 


في ذلك البيت لا شيء يشبه الخرائط التي نعرفها. الجدران قائمة، لكن الحدود غائبة. المطبخ تمدّد مثل دولة طامعة، فتجاوز حدوده واستوطن غرفة النوم. القدور ارتاحت على الوسائد، وروائح البصل المحترق زحفت بدلًا من الأحلام الهادئة. غرفة النوم بدورها لم تعد تعرف النوم؛ المفروشات خرجت في مسيرات احتجاجية، بعضها توجه إلى الصالة وبعضها الآخر احتل الممرات. السرير تحوّل إلى مخزن للأغراض التائهة، والخزانة فقدت هيبتها فابتلعت كل ما لا مكان له، حتى صارت مقبرة للأشياء المنسية،

أما ابواب الخزانة فتتدلى من خلالها انصاف القمصان كأنها جثث مجهولة الهوية مرمية في طريق عام.


أما الصالة، التي خُلقت للضيافة، فقد تحولت إلى برلمان شعبي دائم الانعقاد. السجادة المثقوبة أرضية للجلسات، الكنبة المتعبة منصة للخطب، والأحذية المتناثرة توزعت كأنها كتل سياسية متخاصمة. الجميع يحضر، لكن لا أحد يخرج بقرار. كل غرض له مقعد، وإن لم يجد، جلس فوق الآخر.


ولم يكتفِ البيت بذلك، فجناح المغاسل أضاف فوضاه الخاصة: الصابون يذوب حتى يتقمص دور الشامبو، وعلب الشامبو الفارغة جثث صغيرة تطفو بعد تسونامي متكرر. سلة الملابس المكدسة بدت ذليلة كأنها شجرة تصعدها مئات القرود تعبث بثمارها وتسخر منها، بينما الغسالة تدور بلا توقف: تضحك أحيانًا وهي تحمل زوجًا من الجوارب فحسب، وتصرخ حينما تبتلع بطانية تزن ثلاثين كيلوغرامًا.


وسط هذا كله، وجدت الهرة فرصتها الذهبية. سرقت جزءًا من الدجاجة، اختبأت به في الظلمة، التهمته حتى التخمة ثم غادرت مبتسمة وكأنها تهتف بلا لافتة: نعم للحرية! لم يكن أحد يراقبها، فالكل منشغل بفوضاه، وهي وحدها أدركت أن العبث يولّد الفرص.


وهكذا بدا البيت كله فيلمًا عبثيًا طويلًا: كل شيء في غير مكانه، لكن كل شيء في مكانه أيضًا. الفوضى صارت القانون الأعلى، لا أحد يعترض ولا أحد يحتج. الجميع يتأقلم بإيمان غريب، حتى الملعقة التي هجرت المطبخ لتستقر في درج غرفة النوم شعرت أنها في موطنها الطبيعي، والوسادة الملقاة عند عتبة الصالة اعتقدت أنها على عرشها. الفوضى لم تعد عارضًا مؤقتًا، بل تحولت إلى النظام الرسمي الذي يحكم بلا دستور، إلى السلطة العليا التي يصفق لها الجميع لأنها تمنحهم الوهم الجميل: حرية بلا التزام، حياة بلا خرائط، نظام بلا نظام.


في قمة الهرم المقلوب، جلست الفوضى مثل ملكة لا ينازعها أحد. ضحكت من عبثها، راقبت الأشياء وهي تتصارع على المقاعد، واستمتعت بأصوات متداخلة لا تقول شيئًا مفهومًا لكنها تعطي إيحاءً بوجود حياة. في النهاية لم يعد البيت سوى وطن صغير تسيّده العبث، وأصبح المشهد كله مسرحية ساخرة نصّها غير مكتوب، لكن ممثليها يؤدون أدوارهم ببراعة مذهلة، والجمهور يصفق بحرارة وهو يدرك الحقيقة المُرّة: لا مكان إلا للتيه، ولا نظام إلا اللانظام، ولا رئيس إلا… الفوضى السيادية العليا.

وحين طُلب التصويت لاختيار الرئيس الجديد، لم يتردد أحد: رُفعت الأيادي، صفق الجميع، ودوّى القرار بالإجماع الساحق… الفوضى رئيسة مدى الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق