امرأة لا تُنسى ...
في المدينة التي لا تهدأ، كانت تسير وحدها كأنّها نغمة مكسورة خرجت من معزوفة لم تكتمل
صوت خطواتها على الأرصفة الباردة، يشبه رجع قلبٍ قرر أن يصمت بعد كثير من العتاب.
لم تكن تكتب، ولا تبكي، ولا تحلم.
كانت تجرُّ ظلّها خلفها، كأنّه عبءٌ ثقيل لا يفارقها… عبء اسمه هو.
هو الذي أحبّها بالكلام، ونسِي أن الحروف وحدها لا تصنع دفئًا
هو الذي اقترب منها كفراشةٍ مفتونة بنورها،ثم فرّ منها حين اقترب اللهيب.
قبل عامٍ من الآن،كانت تضحك، لم تكن امرأة كسائر النساء،
كانت ذاكرةً حيّة، وصوتًا لا يُشبه إلا نفسه، تتحدث ببطء وكأنها تختار لكل كلمة موعدًا ومقامًا، تُحبّ القهوة بمرارة خفيفة، وتفتح الكتب كما لو كانت تبحث عن نفسها بين السطور.
كل مساء كانت تمشي ، بثوبٍ أسود يُلامس الأرض كأنّه ظلُّ روحٍ لا يريد الرحيل.
المدينة من حولها مضاءة، لكنها اختارت عتمة الأزقة، حيث لا أحد يُحدّق في الملامح، ولا في الشقوق التي خلّفها البكاء.
هي لا تبكي الآن، لكنها تعرف أنّ عينيها لا تزالان تحملان مرارةً ما.
رأته هناك، واقفًا كما لو كان ينتظر ذاكرةً لا رجعة لها.
الشارع ذاته، المقعد ذاته، ونفس الوردة المجفّفة التي كانت تضعها خلف أذنها حين كانت تُحبّه بصمت.
" لم تأتِ لأنك أحببتني..."
قالتها دون أن ترفع عينيها:
"جئت لأنك شعرت بالخسارة."
حاول أن يبتسم، لكن الشقوق في قلبه أوسع من أن تُخفيها شفتاه.
أنا أخطأت...
" قالها كمن يلقي بجسده من أعلى."
لكنها التفتت إليه، ونظراتها لم تكن غاضبة، كانت تشبه المطر حين يسقط على أرضٍ قررت أن لا تُزهر بعد الآن.
" بل تأخّرت.."
قالتها بهدوء يشبه السكين.
"وما يتأخّر عن القلب، لا يطرق بابه مرتين."
صمت...
كان يعلم أنه لم يخسرها فقط، بل خسر رجولته حين ظنّ أن الحبّ يُطلب ثم يُؤجَّل، يُلام ثم يُنسى،ثم يُطلب مجددًا بعد أن تُطفأ النار.
لكنّها كانت امرأة أخرى، من أول كلمة كتبتها له، من أول وجع خبأته في ابتسامتها،من أول مرة انتظرت، ثم لم يأتِ.
" لم أكن عابرة يا هذا..."
همست، ثم أكملت طريقها دون أن تنظر خلفها.
وهو؟
بقي هناك.
في عتمة الزقاق، في منتصف الندم،وفي يدِه وردةٌ مجففة تحترق ببطء.
أحبّها...
أحبّها من أول نظرة، لكنّه لم يخبرها، انتظر أن تنطق هي،
وهي لم تعتد أن تنحني للحب ، الحب عندها يعني الكرامة.
ثم قالها، ذات مساءٍ متأخر:
"أنا أحبكِ."
ضحكت.
ضحكت كأنّها تعرف تمامًا ما سيأتي بعد الكلمة
"وأين كان هذا الحبّ حين كنتُ أتشظى صمتًا؟
حين كنتُ أمدّ لكَ قلبي، وأنت لا ترى إلا ظلي؟"
لم يملك جوابًا.
أحبّها متأخرًا،حين كانت قد قطعت نصف الطريق إلى النسيان
لم يكن الخذلان لحظة واحدة،كان قطرةً قطرة،غيابًا بعد غياب،
وصمتًا أطول من اللازم.
كانت تنتظره على ناصية الحضور،وهو كان يكتب لها رسائل قصيرة
ويمضي في يومه كأنّها هامش لا متن.
وحين سألها يومًا:
"ما بكِ؟"
أجابت بكلمة واحدة:
"أنا أتعِبُ نفسي بك."
والآن...
ها هو يقف أمامها مجددًا.
الزقاق ذاته، الضوء الخافت، وريح خفيفة تعبث بطرف وشاحها الأسود.
" لم أكن أعلم أنكِ ما زلتِ تمرّين من هنا..."
قالها وكأنه يعتذر عن ذنب لا يملك شجاعة الاعتراف به
رفعت نظرها نحوه.
لم تتغير ملامحه، لكنّ الحزن كان أثقل من ذي قبل.
"كلنا نعود للأماكن التي خذلتنا،ربما لنتأكد أننا أقوياء بما يكفي للمرور دون ارتباك."
اقترب خطوة.
"هل سامحتِني؟"
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: سامحتك حين تعبت من الكره
لكنني لم أعد أملك شيئًا أقدمه لك...
صمت
أراد أن يصرخ، أن يبكي، أن يقول لها إن الحياة بعد غيابها بلا طعم
لكنه اكتفى أن ينظر إلى يدها الفارغة.
"كنّا جميلين، أليس كذلك؟"
همس بصوته المكسور.
قالت:
"كنّا احتمالًا، لا ذكرى،وكان يمكن أن نكون، لو أنك أحببتني حين كنتُ أحبّك..."
مضت.
تركت وراءها رائحة عطرٍ يعرفه جيدًا،ورجفة قلبٍ يعرف أنها لن تعود،هو بقي هناك،وفي يده وردة مجففة، وفي قلبه نار لا تخبو
ونظرة أخيرة...
لم تُقَل فيها الكلمات.
مرّت السنوات....
وكل شيء تغيّر، إلا هما.
هو تزوّج ذات يوم، زوجة اختارت أن تحبه أكثر مما يستحق،
لكنه ظلّ يبحث عن وجهٍ آخر في ملامحها،عن ضحكةٍ كانت تأتيه دون موعد،عن نظرةٍ تخترقه دون أن تُمسّه،عن امرأة لم تكتب له القصائد، بل كانت هي القصيدة.
هي....
لم تتزوج.
لا لأنها بقيت تحبه، بل لأنها ما عادت تُؤمن بأن الرجل يأتي حين يُنتظر،أو يُبقي الوعد إذا أحبّ.
انشغلت بنفسها،كتبت كتابًا لم تُسمّه باسمه،لكنه كان حاضرًا بين كل السطور،كرائحة الرماد في بيتٍ احترق قديمًا.
التقيا بعد خمس سنوات،
صدفة أخرى غريبة… أو قدرًا أصرّ أن يعيد المشهد،في معرض للكتب،كان يقلب الصفحات دون رغبة،وحين نظر إلى اليساروجدها
بثوبٍ أبيض بسيط، وشال من الكتّان،وعينين لا تشبهان الماضي،
لكن فيهما شيءٌ منه… شيء لا يموت...
لم تبتسم، ولم ترتبك.
قالت فقط:
"كيف حالك؟"
قال:
"أتوق لشيء لا أعرفه… حتى الآن."
ثم سأل بعد لحظة صمت:
"هل أحببتِ بعدي؟"
نظرت بعيدًا، ثم قالت:
"أنا لا أُكرر الأخطاء."
وابتسمت.
بعد اللقاء، كتب لها رسالة، ولم يُرسلها.
أحببتك كما تُحبّ المدن البعيدة، أتأمّلها من بعيد،ولا أملك شجاعة الوصول.
ظننتك ستبقين… فابتعدت.
وظننتكِ ستعذرين… فخذلتك.
والآن، حين كبرنا بما يكفي لنفهم، لم يعد الطريق إلينا مفتوحًا،
ولا أنا كما كنت، ولا أنتِ كما كنتِ، لكنّكِ دائمًا،كما كنتِ في قلبي.
الزمن لا يُصلح ما كُسر،ولا يُعيد ما انكسر داخلنا، ربّما الحبّ لا ينتهي،لكن يتغيّر شكله، يتحوّل من نارٍ مشتعلة،إلى دخانٍ خفيف يسكن في الذكرى.
هي....
مضت إلى عالمها بنصف ابتسامة،تحمل يقينًا واحدًا، أنها أحبّت كما يجب.
وخرجت من الحكاية كما تليق بها.
وهو، بقي هناك،في كل شارعٍ يحمل عطرها،وفي كلّ كتابٍ يشبه صوتها،
يبحث عن امرأةٍ لا تُنسى ، ولا تُعاد.
السيدة غدير محمد وليد عبارة
السبت 9 /8 / 2025
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق