الخميس، 7 أغسطس 2025

خاطرة/ وخزات ضمير للكاتب ليلة المراني

 خاطرة  / وخزات ضمير

ليلى المرّاني


كتبتُ مرّة، " كم من الشجاعة يحتاج الإنسان كي يقف عاريًا، مجرّدًا من أقنعته أمام المرآة، ليرى وجهه على حقيقته حين تتساقط كلّ أقنعته؟ "

فعلتها أنا مرّةً… خفت وهربت!

ما قلته سابقًا له علاقة بما سأقوله لاحقًا… فأنا أقف الآن أمام نفسي كما يقف مَن يدلي باعترافاته أمام قسّ يختفي خلف حجاب!

ما حدث لم ولن أجد له تفسيرًا منطقيّا… في منتهى الصراحة سأكتب، ولا أدري ماذا ستظنون بي، كل ما أعرفه انني أريد أن أزيح صخرة سيزيف التي جثمت على صدري سنين طويلة، وأتعبتني!

أستطيع أن أقول، وبدون تبجّح، بأنني أستطيع التأقلم مع أبسط الظروف وأصعبها… ومع أبسط الناس، وأيضاً مع أعلى المستويات من البشر، إن كان في ذلك أعلى وأدنى!

وقفت أمامي والدموع تملأ عينيها، وارتباك واضح ممزوج بحزن عميق يبدو على محيّاها. كنت مع عائلتي وعائلة أخي القادمين من دولة أوروبية، في احتفال كبير… نظرت إليها، ولأول مرة لم أعرفها، كانت السنين الطويلة من الفراق، ونكبتها بفقدان ابنها البكر الذي مات غرقًا، قد غيّرتها تمامًا… البؤس والحزن قد حفرا على وجهها خطوطًا عميقة، حاولت أن تداريها بابتسامةٍ ممزوجة بالدموع… قالت حين لاحظت حيرتي وذهولي، " أنا أم…"

وذكرت اسم ابنها الغريق، ثم ذكرت اسمها…

ما حدث بعد ذلك هو سبب شقائي وندمي، وتأنيب الضمير الذي لازمني سنين وسنين!

كل ما فعلته، أنني بقيت جالسة، وقلت ببرود، " أهلا، ما هي أخبارك؟ "

لم أكلّف نفسي عناء الوقوف وعناقها، خاصةً وإنني لم أعرف بغرق ابنها البكر إلا بعد مدّة، ولم أتصل بها لجهلي رقم هاتفها… وهي تعيش في دولة، وأنا في دولة أخرى!

سحبت نفسها بكل هدوء، وعادت إلى مكانها في الطرف الآخر من القاعة.

لم أعِ ما فعلت إلاّ في اليوم الثاني… تزاحمت الأسئلة في رأسي حتى كاد ينفجر… لماذا فعلت ذلك؟ كيف لم أحتضنها وأمسح دموعها؟ هل كان تعاليًا مني وأنا أراها مكسورةً بائسة ؟ هل خجلاً من نفسي إذ لم أحاول الاتصال بها ومواساتها على فقد ابنها؟ هل كان هروبًا من نظرات عائلتي،" مَن تكون هذه البائسة؟ "… وهل… وهل… وهل…

سنون مرّت، أقسم، وذلك المشهد يعذّبني ويقضّ مضجعي… لم أكن يومًا بهذه القسوة، ولم يبدر مني يومًا تصرّف أحمق كالذي حدث… وخزةٌ حزينة بقيت تنخر في قلبي، وسؤال كبير لم أجد له جوابًا، لماذا فعلت ذلك؟

إلى أن التقيت بها قبل أيام صدفةً وفي مكان غير متّفقٍ عليه… هرعت إليها… احتضنتها، وقبَلتها عشرات القبل المعتذرة، لم أستطع إلاّ أن أقول لها، " اعذريني… لم أنسَ ما حصل، ولا أعرف سببًا له…"

وبكلّ طيبتها، وبكلّ دفئها، قبَلتني وكأنها تريد أن تعتذر، " لا أعرف عن ماذا تتحدثين عزيزتي… "

وبحرقةٍ بكيتُ على صدرها…

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق