الأقلام السبعة
في مدينةٍ بعيدة، تُسمّى مدينة الحبر، كان الناس يعيشون بين دفّات الورق،
ويتحدّثون بالحروف بدل الأصوات. هناك، لم يكن الإنسان يُقاس بما يملك من ذهب،
بل بما يكتب قلمه.
كان في المدينة سبعة أقلام مشهورة،
لكلٍّ منها أثره وصيته:
قلمٌ يُحرّر العقول من جهلها،
وقلمٌ يُقرّر مصير الناس بسطورٍ قليلة،
وقلمٌ يُبرّر الأخطاء،
ويُلمّع الباطل حتى يبدو حقًا،
وقلمٌ يُمرّر الأكاذيب بخطٍّ أنيق،
وقلمٌ أميرٌ تُفتح له الأبواب بلا حساب،
وقلمٌ أجيرٌ يكتب لمن يدفع أكثر،
وقلمٌ أسيرٌ يكتب ما يُملى عليه من خوفٍ لا من قناعة.
وفي زاوية السوق،
جلس قلمٌ صغير لم يُعرف بعد،
لم يكن من ذهبٍ ولا من فضة،
بل من خشبٍ بسيط.
كلّما كتب،
اهتزّت الحروف بخجل،
كأنها تخاف أن تُخطئ.
سأله القلم الأجير باستهزاء:
لمن تكتب يا صغير؟
لا أحد يقرأ ما تكتب!
ابتسم القلم الصغير وقال:
أكتب لمن سيقرأ غدًا...
لمن يبحث عن الصدق،
لا عن الشهرة.
ضحك القلم الأمير وقال:
وما نفع الصدق إن لم يُصفّق له أحد؟
فقال الصغير:
الصدق لا يحتاج تصفيقًا،
يكفيه أن يطرق القلوب بهدوء.
مرّت السنوات،
وتلطّخت دفاتر المدينة بأحبارٍ كثيرة:
منها من نشر النور،
ومنها من زرع الفتنة،
ومنها من زيّن القبح باسم الجمال.
وحين أتى يوم الحساب
في مكتبة التاريخ،
نُشرت الأوراق على الملأ، وظهر الفرق بين الحبر الصادق والحبر الفاسد.
تبددت الأقلام التي برّرت ومرّرت وتاجرَت، وصدئَت تلك التي قرّرت دون ضمير، وبقي القلم الصغير، الذي كتب بصدقٍ وحياء،
يتلألأ في رفٍّ عالٍ من رفوف الذاكرة.
عندها قال الحبر بصوتٍ عميقٍ يسمعه الجميع:
تعددت الأقلام،
والحبر واحد...
لكن وحده من كتب بضمير،
يستحق أن يُخلّد أثره.
ومنذ ذلك اليوم، صار في مدينة الحبر قولٌ مأثور:
قبل أن تكتب، اسأل نفسك...
أيُّ قلمٍ أنت؟
سالم حسن غنيم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق