الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

وصية جدو سالم للكاتب سالم حسن غنيم

 وصيّة جدو سالم

في أحد المقاهي القديمة في وسط البلد، حيث تختلط رائحة البنّ بصوت الملاعق وثرثرة الزبائن، كان يجلس جدو سالم، 

شيخ في الستينيات من عمره، 

بوجهٍ تكسوه التجاعيد كخرائط عمرٍ طويل، وعينين تشعّان حكمة وحنانًا. 

كان كل من يعرفه يناديه جدو سالم .


في ذلك الصباح، جلس بجانبه شاب اسمه أدهم، في الثلاثين من عمره، يحمل ملامح الحيرة أكثر من ملامح الطموح. كان قد خسر صديقه وماله في مشروع فاشل، وتعب من البحث عن عملٍ جديد. لاحظ جدو سالم اضطرابه، فابتسم وقال:

  يبدو أن الدنيا ضيّقت عليك شبابها يا ولدي.


تنهد أدهم وقال:

  خذلتني الناس يا عمي، وصرت لا أثق بأحد. أقرضت صديقًا، فخسرته وخسرت مالي. تزوجت على عجل، فزاد تعبي. أرهقتني الأخطاء.


ضحك جدو سالم بخفة وقال:

  يا بني، الأخطاء هي ما تصنع حكمتنا، 

لكن بشرط أن نتعلم منها. دعني أقول لك ما تعلّمته بعد ستين عامًا من العراك مع الحياة...


ثم بدأ يسرد وصاياه، بهدوء من يعرف الطريق:

 لا تقرض صديقك مالًا،

 فإما تخسره أو تخسر نفسك. 

واكتب كل شيء، 

فالذاكرة خائنة مهما وثقت بها.

  حين تشتري بيتًا، 

لا تنخدع بالجدران، 

فالموقع هو الروح... 

الموقع، الموقع، الموقع!

  لا تدفع الأجر قبل العمل، 

فالتجارب علمتني أن الوعود لا تُشبع الجيوب.

  اختر زوجتك بعين القلب والعقل، 

فهي مسؤولة عن تسعة أعشار سعادتك...

 أو شقائك.

  ولا تترك عملك قبل أن تجد غيره، 

فالفراغ عدوّ الكرامة.


كان أدهم يصغي بإعجاب، 

وجدو سالم يواصل:

 يا بني، لا تترك الهاتف يسرق لحظاتك. 

حين تتكلم مع من تحب، 

ضع العالم في الانتظار.

 وإن قالت لك أمك ستندم، 

فاحفظ قولها كآية، 

لأنك ستندم فعلًا.

 كن شجاعًا، 

وإن لم تكن،

 فتظاهر. 

الناس لا يفرّقون بين الحقيقة والهيبة.


توقف جدو سالم قليلًا ليرشف قهوته، 

ثم قال بابتسامة خفيفة:

  اشتري الكتاب الجيد ولو لم تقرأه،

 لأنه وعد بالعلم.

  ولا تشارك من فشل ثلاث مرات،

 لأن الحظ لا يزور بيتًا لا يرحب به.

 وعلّم أولادك أن يتعبوا، 

فالعمل في الصغر يصنع رجال الكرامة.


اقترب أدهم أكثر، 

كأن كل جملة تفتح نافذة في صدره.

فقال جدو سالم:

  إذا استعرت شيئًا مرتين،

 فاشتريه،

 كي لا تصبح ضيفًا على الدنيا.

  وابتعد عن الأماكن المشبوهة، 

فالأحداث السيئة لا تزور إلا أهلها.

  وحين يسألك أحدهم ما لا يخصه، 

ابتسم وقل: ولماذا تريد أن تعرف؟

 ستُربكه وتُحافظ على هيبتك.

  ولا تفقد أعصابك ولا ثقتك بنفسك... 

ولا مفاتيح سيارتك!


ضحك أدهم بصوتٍ عالٍ،

 وجدو سالم يواصل بنغمة الحكيم الذي يختم درسه الأخير:

 لا تتوقع من أولادك أن يصغوا لنصائحك إن لم تكن قدوة. 

وكن صديقًا لزوجتك قبل أن تكون زوجًا لها.

 لا تقل إن وقتك لا يكفي، 

فالعظماء عاشوا مثلك 24 ساعة.

 دع بجانب سريرك ورقة وقلمًا، 

فالأفكار الذهبية تزورك حين لا تتوقعها.

 امدح الناس بصدق، 

فالكلمة الطيبة تُعيد الأمل،

 لكن لا تكن منافقًا.

 ودع أطفالك يفوزون عليك حين تلعب معهم، ففرحتهم انتصار لك.


ثم أسند ظهره إلى الكرسي،

 وقال بصوتٍ عميق:

 واعلم يا بني أن نجاحك غدًا يبدأ بعملك اليوم. ولا تنتقد زوجتك أمام أولادك أبدًا، فالاحترام يُورّث.

  وادخل أي مكان بثقة،

 كأنك تملكه، 

لكن دون غرور.

 وقل لا حين يجب، 

لكن لا تجعلها لغتك الوحيدة.

 وإن صمت الجميع،

 فكن الصوت الجميل بينهم.


سكت لحظة، 

ثم ختم وصيته:

 لا ترد على من ينتقدك،

 فالردّ يُنقص من قدرك. 

ولا تناقش من لا يريد أن يفهم. 

النقاش العقيم مرض، 

والسكوت عنه شفاء.


نظر أدهم إليه وقال بتأثر:

 يا عمي، كل ما قلته دروس عمر...

ابتسم جدو سالم وقال:

 بل هي دروس الأخطاء، يا بني. 

الناس تتعلم من كتب، 

وأنا تعلمت من الخسائر.


نهض الشاب وقبّل يده، وقال:

  سأكتب وصيّتك في دفتري حتى لا تخونني الذاكرة.

ضحك جدو سالم وقال وهو يلوّح بيده:

 أحسنت يا ولدي…  أول درس حفظته جيدًا!


وهكذا، خرج أدهم من المقهى، يحمل دفترًا صغيرًا... وكنزًا كبيرًا اسمه حكمة العمر.

سالم حسن غنيم


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق