في هذا الليل الذي طال أكثر مما يحتمل القلب، أشتاق إليك بطريقة تُرهقني. لا أعرف كيف أشرح هذا الشعور الذي يشبه العطش في منتصف صحراء من الذكريات. أشتاق إليك من دون سبب واضح، من دون موعد أو زمن محدد، أشتاق لأنّ شيئًا في داخلي ما زال معلّقًا عند آخر كلمة قلتها، عند تلك اللحظة التي ظننت أنّها عابرة فصارت حدود عمري.
كل يومٍ يمرّ، أظن أنّني اقتربت من نسيانك، فأكتشف أنّني أشتاق أكثر. لا شيء ينجح في تهدئة هذا الوجع، لا الوقت، ولا الانشغال، ولا محاولات التلهّي الباهتة. كل الطرق تنتهي إليك، وكل الأصوات تذكّرني بنبرة صوتك، وكل مساء يحمل اسمي حين كنت تنطقه بهدوء كأنّك تخشى عليه من العالم.
أشتاق إليك حتى وأنا أحاول الهرب منك، أراك في التفاصيل التي لا معنى لها، في الأماكن التي لم تجمعنا يومًا، في الملامح العابرة التي تشبه ظلّك ولا تكونه. الشوق إليك ليس لحظة، إنه سكنٌ دائم في صدري، نبض لا يتعب، فكرة لا تخمد، حضورك الغائب الذي يتسلّل إليّ كلما أغلقت عينيّ.
أحيانًا أقاوم هذا الشعور، أقول لنفسي إنّ ما مضى مضى، لكن شيئًا عنيدًا في داخلي يذكّرني بأنّك لم تمضِ فعلاً، وأنّ كل هذا الغياب ليس سوى وجه آخر لوجودك بي. هناك مكان في القلب لا يزال مفتوحًا لك، مهما حاولت إغلاقه، ومهما حاولت أن أبدو متماسكة.
أشتاق إليك بطريقة لا تشبه الحب، بل تشبه الحاجة إلى التنفّس. أشتاق إليك لأنك الجزء الوحيد الذي لم يغادرني رغم كل الرحيل. في كل ليلٍ يمرّ، أعود إليك، بلا وعي، بلا مقاومة، كما يعود البحر إلى مده، وكما يعود الصوت إلى من ناداه أول مرة.
لم أتعلم كيف أعيش بدونك، ولم أتعلم كيف أنساك، كل ما أعرفه أن الشوق إليك صار طريقتي في البقاء...
هيفاء بن مفتاح
تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق