عصفور في القفص
في مدينةٍ غزة، كان "سليم" يخرج كل صباح يبحث بين الركام عن بقايا حياة. ذات يومٍ، وجد عصفورًا صغيرًا مكسور الجناح، يرتجف من الخوف قرب أنقاض مدرسةٍ قديمة. حمله برفقٍ، وضعه في علبة كرتونية صغيرة، وغطّاه بقطعة قماشٍ ليحميه من البرد، ثم قال مبتسمًا رغم كل شيء:
– لا تخف يا صغيري... سنعيش معًا، حتى يهدأ هذا الجنون.
مرّت الأيام، وسليم يقتسم فتات خبزه مع العصفور، يضع له قطرات ماء في غطاء زجاجة، ويحدثه كل مساء كما لو كان صديقه الوحيد. كانا يعيشان في خيمةٍ صغيرةٍ مهترئة، يلفّها البرد من كل جانب، لكن قلب سليم كان دافئًا بما يكفي ليحتوي روح الطائر الجريح.
وذات صباح، جاءه فريق تصوير أجنبي يوثّق "قصصًا إنسانية من الحرب". طلبوا منه أن يسمح لهم بتصويره والعصفور، فوافق ببساطة، ظنًّا منه أن الصورة قد تُذكّر العالم بإنسانيته الضائعة.
بعد أيام، انتشرت الصور في مواقع الأخبار: "شاب ينقذ عصفورًا من تحت الأنقاض". تفاعل الملايين، امتلأت التعليقات بالقلوب والدموع، وبدأت منظمات الرفق بالحيوان بالمطالبة "العاجلة" بإجلاء العصفور إلى بيئة آمنة، لأنه "لا يحتمل ظروف الحرب".
وفعلاً، بعد أسبوع، حضر وفد أجنبيّ مجهّز بقفص ذهبي صغير، حملوا فيه العصفور بعناية، ووعدوا بإرساله إلى مركزٍ لحماية الطيور في أوروبا. وقف سليم يبتسم رغم الغصّة، يلوّح بيده للعصفور وهو يُنقل بعيدًا، ثم عاد إلى خيمته الخالية، حيث لا دفء، ولا طعام، ولا أحد يهتم إن عاش أو مات.
وفي تلك الليلة كتب على ورقةٍ وجدها بين الأنقاض:
أنقذوا الطائر...
وتركوا الإنسان يحترق.
ثم طوى الورقة ووضعها في جيبه،
وأغمض عينيه على وجعٍ لا يراه أحد.
سالم حسن غنيم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق