المرآة التي لا تعكس الوجوه
في منطقه القويسمه من مناطق العاصمه الاردنيه عمان ، كان يعيش عادل، رجل بسيط يعمل نجاراً في ورشة صغيرة ورثها عن أبيه. كان قلبه طيباً، ولسانه صادقاً،
لكنه لم يسلم من ألسنة الناس…
فمنهم من رآه متكبّراً لأنه لا يختلط كثيراً،
ومنهم من وصفه بالبخيل لأنه لا يجامل في حسابهم،
ومنهم من نعته بالمغرور لأنه يكتفي بالصمت حين يكثر اللغو.
كان عادل يحاول دائماً أن يبرر، أن يشرح، أن يُقنع الآخرين بأنه ليس كما يظنون،
لكن شيئاً لم يتغير. كلما برر أكثر،
زادت ظنونهم سوءاً.
وذات مساء، جلس في ورشته وحيداً يتأمل قطعة خشب أمامه، وقال في نفسه:
ما جدوى أن أشرح نفسي لمن لا يريد أن يفهمني؟
ما جدوى أن أُثبت نوري لمن لا يرى إلا الظلام؟
في تلك اللحظة دخل طفل صغير من الجيران يحمل مرآة مكسورة، وقال بخجل:
عمو عادل، ممكن تصلّحها؟
ابتسم عادل وقال:
هذه المرآة لن تعكس شيئاً بعد الآن يا صغيري، لأنها مكسورة.
فردّ الطفل بعفوية:
لا بأس، أريدها هكذا…
لأنها لا تُظهر الوجوه، بل الألوان فقط!
تأمل عادل كلمات الطفل طويلاً، وشعر كأنها رسالة من السماء.
منذ ذلك اليوم،
قرر أن يعيش كما هو،
بلا تبرير، بلا تكلّف،
بلا قناع.
صار يعمل بصمت، يبتسم لمن يسيء،
ويعفو عمّن يظلم. لم يعد يسعى لإرضاء أحد سوى ضميره وربه.
ومع مرور الوقت، تغيّر كل شيء…
الذين كانوا يكرهونه صاروا يندهشون من سكينته،
والذين اتهموه بالجفاء وجدوا فيه دفئاً نادراً،
لكنّه لم ينتظر اعتذاراً من أحد،
فقد أدرك أخيراً أن قيمته لا يصنعها نظر الناس، بل صفاؤه الداخلي.
وفي كل مساء، كان ينظر إلى المرآة المكسورة المعلّقة على جدار ورشته، ويبتسم قائلاً:
من لا يراني جميلاً، فعيونه ليست مرآتي.
سالم حسن غنيم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق