الخميس، 11 ديسمبر 2025

رحلة الصفح للدكتور محمد شعوفي

 ✒️ رحلة الصفح:  

{التسامح مع الذات بين الجمرة والجمرة}. 


هذه الكلمات ليست اعترافًا بقدر ما هي محاولة للنجاة… 

نجاة من قسوةٍ مارستُها على نفسي دون أن أدري.  

أكتبها وأنا أقف أمام مرآة الروح، أتأمل انعكاسات الماضي، وأستشرف ملامح المستقبل، في رحلةٍ بدأت بخطواتٍ مترددة، ثم تحولت إلى مسيرةٍ حافلة بالتساؤلات، بحثًا عن معنى الصفح… 

لا مع الآخرين فحسب، بل مع الذات التي طالما قسوتُ عليها.  


فهل من خلاصٍ للروح المعذبة إلا في الصفح؟  

وهل من سبيلٍ إلى السلام الداخلي دون مصالحةٍ صادقة مع الماضي؟  


أكتبُ كمن يفتّش في مرايا قلبه عن صورةٍ لم يكتمل رسمها بعد.  

وكلما حاولتُ الإمساك بنفسي، وجدتها تتفلّت من بين أصابعي كنسيمٍ يهرب من قبضة حجر.  


وأقول في سري:  

كيف صرتُ أُنزِل بنفسي قسوةً لم أنزلها بغيري قط؟  

وكيف تحوّلتُ من مأوى لروحي إلى محكمةٍ لا تُنطق فيها إلا بالإدانات؟  


كنتُ أظنّ الذات أرضًا مقدّسة، فإذا بي آخر من يطأها بالرحمة.  


دخلتُ هذه الرحلة لا لأبحث عن إجابةٍ وحسب، بل لأستعيد حقي البسيط والعميق معًا:  

حقّي في أن أكون إنسانًا، لا نسخةً مصقولةً بلا ندوب.  


فالتسامح مع الذات ليس ترفًا نفسيًا، بل مقاومة هادئة ضدّ كل ما يريد أن يحوّل حياتي إلى متحفٍ للأخطاء المعلّقة على الجدران.  


وجدتُ أن مسامحة الآخرين تأتي أحيانًا كسحابةٍ خفيفة تمرّ ولا تمطر، بينما مسامحة نفسي كانت جبلًا شاهقًا يتطلّب صعودًا لا ينتهي.  

وكأنّ في داخلي قاضيًا يرتدي حكمة الحكماء، لكنه يمسك سوط الجلّاد.  


وفي هذا التناقض بين اللطف والصرامة، أدركتُ أنّ روحي ليست طبقةً واحدة، بل طبقات تتجاور فيها الندامة والأمل، والضعف والقوة، كما يتجاور الجمر والضياء في كفّ واحدة.  


كنتُ أعرض أخطائي على مسرح عقلي كأنّي أتلو على نفسي مخطوطةً كتبتُها بحبر الندم.  

وأعيد قراءتها كل ليلة كطقسٍ عقابيٍّ سرّي.  


ومع كل ليلةٍ أعيد فيها قراءة ندمي، كان الحمل يزداد ثقلًا…  

حتى بدأتُ أرى 

– ببطء يشبه شفاء الجرح – 

أن كل فردٍ منا في حالة سير دائم نحو نفسه، وأن العيوب ظلالٌ لا تمسّ جوهر وجودنا.  


فالحياة مدرسة لا نخرج منها بلا عثرة، والزمن معلّم لا يمنح حكمته إلا لمن سقط وقام، واهتزّ ثم استطاع أن ينهض من الرماد.  


وعندما أثقلني حملُ عدم المسامحة، عدتُ إلى تلك الحقيقة التي تشبه منارةً في آخر الضباب:  

لقد بذلتُ أقصى ما استطعتُ في كل لحظة، بالأدوات والجراح والإمكانيات التي كانت بين يدي آنذاك.  


فلماذا ألوم نفسي اليوم على ما لم أكن قادرًا عليه بالأمس؟  

وكيف أنكر حقي في التعثر وأنا لم أولد عارفًا، ولا كاملًا، ولا محصّنًا من الزلل؟  


صرتُ أرى أخطائي خريطةً سرية، لا تعيق طريقي بل تكشفه.  


وتجلّت لي فكرة جديدة:  

أن الحبّ الذاتي ليس هدية تُمنح في الرخاء، بل ضرورة وجودية كأنفاس الصباح.  


فالشعور بالذنب حين يطول يتحوّل إلى زنزانة، بينما الحبّ يفتح باب الحرية.  

ومن قراءاتي في الوجود تعلمتُ أن معرفة النفس تبدأ بمسامحتها.  


فكيف أعرف ذاتي وأنا مصرّ على جلدها؟  

وكيف أرى نور الآخرين وأنا أحجب عن نفسي مصباح الرحمة؟


رأيتُ ذاتي شجرةً عتيقة تضرب بجذورها في عمق تجاربي كلها: الحلو منها والمرّ، البهيج منها والحارق.  

وأغصاني، رغم كل عاصفة، لا تزال تمتد إلى الشمس، غير خائفة من أن تتجاور الأوراق الذابلة مع الثمار الناضجة.  


ومن بين أغصاني المتعبة، بدأتُ أرى الطريق أوضح…  

وتعلّمتُ أن النفس لا تنمو إلا بهذا الامتزاج الغريب بين الكسر والقوة، بين السقوط والنهوض، بين اعترافٍ حزين وحكمةٍ جاءت على مهل.  


وكلما تقدّمتُ في هذا السلّم الروحي، أدركتُ أن التسامح مع الذات شرطٌ للتعاطف مع الآخرين.  


فكيف أهب التسامح لغيري وأنا عاجز عن منحه لنفسي؟  

وكيف أرى جمال الأرواح الأخرى وأنا لا أرى في مرآتي إلا ظلّ ذنب؟  


إن الرحلة تبدأ من الداخل، ثم تمتد كضوءٍ ينساب على سطح الماء لينعكس في الخارج.  


صرتُ أرى أن كل خطأ ارتكبته ليس صفحة سوداء، بل قصيدة غير مكتملة، تنتظر أن تُكتب نهايتها بالأمل، أو بدمعة صادقة، أو بقرار صغير بالبدء من جديد.  


وفي نهاية هذه الرحلة، أقول لنفسي ولكل من يقرأ هذه الكلمات:  

كن لطيفًا مع نفسك.  


دع الحبّ يحلّ محلّ الذنب، ودع المسامحة تتحوّل من فكرة إلى ممارسة، ومن تردّد إلى يقين.  

دع ذاتك تكون صديقك، لا سجّانك.  


واسْرِ نحو نفسك كما يسير النهر إلى البحر:  

يحمل الطين والحجارة، لكنه يعرف أن مصيره في النهاية هو الاتساع… هو اللقاء مع الكون.  


هذه هي الفلسفة التي وجدتُ فيها طمأنينتي:  

أن أسامح نفسي لأعيش…  

وأن أعيش لأسامح.  


وفي الختام، أدركتُ أن الصفح مع الذات ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها.  

ومن يغفر لنفسه، يفتح للعالم بابًا من نور.  


بقلم:  

د. محمد شعوفي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق