الخميس، 14 مايو 2026

بلاغة الرحيل وحرية التعلق للدكتورة راوية عبدالله

 "بلاغةُ الرحيل وحريةُ التعلّق"


لا تُعلّق روحك بأطراف أحدٍ كأنّ البقاء ميثاقٌ لا يُنقض، ولا تُقنع قلبك أن ما انزوى عنك كان استثناءً لا يتكرر… فالأشياء التي تمضي لم تُخلق لتكتمل بك وحدك، بل لتكشف لك حدود التعلّق حين يشتدّ، وحدود الوهم حين يطول، وحدودك أنت حين تُفرِط في الامتلاء بغيرك.


ثمّة أرواحٌ تعبر حياتنا كضوءٍ عابرٍ على سطح ماء، تلمس القلب لحظةً ثم تنسحب في هدوءٍ لا يطلب إذنًا ولا يلتفت لرجاء. وليست المشكلة في عبورها، بل في محاولتنا تحويل العابر إلى مقيم، واللحظة إلى وطنٍ دائم، والظلّ إلى حقيقةٍ لا تُمسّ.


لا أحد يتكرر كما توهمنا الرغبة حين نحب، ولا أحد يُستعاد كما تُخادعنا الذاكرة حين تشتاق. فالحياة ليست أرشيفًا يعيد الوجوه بصورتها الأولى، بل نهرٌ لا يعرف العودة، حتى حين يبدو السطح ساكنًا، فهو في العمق يُبدّل كل شيء دون أن يعتذر.


وما نسمّيه فقدًا قد لا يكون فقدًا أصلًا، بل تبدّل موقعنا داخل التجربة لا تبدّل الأشخاص. فنحن لا نخسر الآخرين دائمًا، أحيانًا نخسر الصورة التي اخترعناها لهم، ثم نُصرّ على البكاء فوق ركامها كما لو كانت حقيقة.


فلا تمسك بطرف جلبابٍ انسحب صاحبه برغبته، ولا تحاور غيابًا قرر أن يكون كاملًا. فبعض الأبواب لا تُغلق عليك بل تُغلق بك، وبعض القلوب لا تتركك بل تترك النسخة التي ظننتها ثابتة فيها.


اترك ما اختار الرحيل يمضي، لا لأنه أقل قيمة، بل لأن وجوده انتهى داخلك قبل أن يغيب عنك. واترك لنفسك حقّك في أن تتخفف من فكرة “لا يُعوّض”، لأن ما لا يُعوّض غالبًا لم يكن حقيقةً، بل اتساع فراغٍ في داخلك امتلأ بصورةٍ واحدة.


فالحياة ليست اختبار وفاءٍ لمن يبقى، ولا امتحان صبرٍ على من يغادر… بل كشفٌ خفيٌّ لمن أنت بعد كل ذلك.

هل ما زلت تحتاج الآخر لتكتمل؟ أم أنك أخيرًا أدركت أن التعلّق، في جوهره، لم يكن حبًا دائمًا… بل طريقة مؤجلة لمصالحة نفسك مع نقصها القديم؟


حينها فقط، لا يعود الرحيل حدثًا… بل يتحوّل إلى مرآة.


✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق