▼

السبت، 29 أغسطس 2026

معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة للشاعر محمد علي باني

 معلقة من ظلام الجاهية إلى نور الرسالة

الفصل السادس؛ الدعوة الأولى ...من همسات الخفاء إلى صرخة الحق 


مقدمة وجدانية 


لم يكن النور الذي خرج من غار حراء نورا عابرا ؛ فقد حمل معه رسالة ستعيد صياغة الإنسان من الداخل.


لكن النور في بدايته كان صغيرا في أعين الناس، عظيما في ميزان السماء.


بدأت الدعوة هادئة قريبة من القلوب التي عرفت الصدق والأمانة ، فٱمنت بها نفوس لم تكن تبحث عن جاه ولا سلطان .


دخل الإيمان بيوتا قليلة لكنه دخلها بقوة اليقين 


وكانت خديجة رضي الله عنها أول قلب احتضن الرسالة ،وكان أبو بكر رضي الله عنه من أوائل من صدق، ثم ٱمن علي رضي الله عنه ، وزيد بن حارثة، وغيرهم من السابقين إلى النور.


كانوا قلة ، لكن القلة إذا حملت الحق قد تكون أقوى من كثرة تحمل الوهم.


ثم جاء الأمر بالجهر بالدعوة .


فخرج الصوت من البيوت إلى مكة ، ومن مكة إلى القبائل ومن مكة إلى العالم .


قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله واحد، وإن الإنسان مكرم ، وإن الظلم لا يصبح عدلا لأن القبيلة ارتضته،وإن المال لا يرفع صاحبه إذا افسد قلبه، وإن الفقير ليس أقل إنسانية من الغني.


وهنا بدأت قريش تشعر أن الأمر أكبر من دعوة عابرة .


فالدعوة لم تكن تهدم حجارة أصنام وحدها ، بل كانت تهدم منظومة كاملة من العصبية والإستعلاء والظلم.


ومن هنا بدأ الإمتحان.


فكل نور يواجه الظلام يوقظ في الظلام مقاومة .


أبيات الفصل 


بدأ النور في قلوب كريم مطهر 

فأصبح في أرجائ مكة مشعلا 


وكانت خديج للرسول سندها 

وقلبا على باب النبوة مقفلا 


فصدقت المختار حين أتاها 

وما عرفت في صدقه متبدلا


وجاء أبو بكر فأسرع مؤمنا 

ولم يسأل الٱيات حين نزلا 


وعلي فتى في داره قد تلقى 

نداء الهدى فاختار حقا مؤملا 


زيد و من ساروا على الدرب أقبلوا 

فصارت قلوب القليل قبائلا 


قليلون في عين القريش ، ولكن 

كأن بهم في الأرض بحرا تسلسلا 


تعالت قريش ؛ ما أتانا بمثله 

فأصبح أمر المصطفى متحولا 


فقال إله الناس رب واحد 

فلا تجعلوا لله شركا ومنزلا 


وقال؛ كرامة ٱدمي بتقوى 

وليس الغنى في المال أو أن تكون أولا 


وقال أطيعوا الله وارعوا ضعيفكم 

وصونوا اليتيم واحفظوا من تذللا 


فضاقت صدور المترفين بدعوة 

تساوي بين الناس حقا ومنزلا 


فما عاد في سوق المفاخر موضع 

لمن يجعل الأنساب فخرا مؤصلا 


ولا عاد للمال المضاعف سلطة 

إذا كان في كف اليتيم معطلا 


فقامت قريش تحت وهم مصالح 

ترى في نداء الحق قد شدوا العزائم والعرى 


وأشعل أهل الظلم نار عداوة 

وظنوا بأن النور يطفأ إن علا 


ولكن من ذاق الإيمان في ذمه 

رأى في سبيل الحق صبرا مجملا 


فما ضره سوط ، ولا ضره أذى 

ولا زعزع الإيمان قيد ومعتلى 


وقال بلال في العذاب مرددا 

أحد أحد والقلب بالإيمان قد علا 


فصارت صخور مكة تحفظ صوته 

ويسمعه من في الزمان ومن تلا 


وصار الضعيف بالإسلام قادرا 

وصار الفقير بالإيمان مكتملا 


وتحولت دار الأرقم موئلا 

لقلب يريد الحق والحق أقبلا 


هنالك كانت أمة النور تبنى 

بقلب يربى والعقيدة تصقلا 


فما كان بناء الدين سيف مجردا 

ولكن بناء الروح أول ما بدا 


خاتمة الفصل 


وهكذا خرجت الدعوة من دائرة الهمس إلى فضاء الجهر 


وكان أول إنتصار لها أنها غيرت الإنسان قبل أن تغير المكان 


لم يبدأ الإسلام ببناء القصور ، ولا بتوسيع الحدود ، ولا بكثرة الإتباع ، بل بدأ ببناء قلب يعرف الله، ونفس تعرف الحق ، وضمير يرفض الظلم .


وكان السابقون إلى الإيمان نماذج لهذا التحول ؛ فقد كانوا بالأمس افرادا متفرقين في مجتمع تمزقه العصبية، فإذا بهم يجتمعون حول عقيدة واحدة وأخلاق واحدة وغاية واحدة .


لكن قريش لم تنظر إلى الأمر بهذه العين .


لقد رأت في التوحيد تهديدا لمكانتها ، وفي المساواة خطرا على إمتيازاتها ، وفي تحرير الإنسان من الوثن تهديدا لمنظومة كاملة عاش عليها بعض أهل مكة.


فاشتد الأذى 


وضاقت الأرض على المؤمنين .


وسوف تأتي لحظة يطلب فيها من أصحاب الرسالة أن يتركوا أوطانهم وأن يحملوا ايمانهم فوق أكتافهم ، وان يختاروا بين التعلق بالأرض والتعلق بالحق.


ومن هنا نصل إلى فصل جديد من هذه الرحلة؛


الفصل السابع ؛ الهجرة ... حين يصبح الإيمان وطنا 


فمن مكة التي ضاقت بأهل الإيمان ، ستبدأ قافلة أخرى ... قافلة لا تحمل ذهبا ولا متاعا كثيرا، وإنما تحمل عقيدة في القلوب ، ونورا في الصدور ، ووعدا بمستقبل جديد .


التوقيع الشعري 


أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم 

نبض الحنين به، وارتد ملتهما 


الكاتب والشاعر محمد علي باني/ تونس


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق