السبت، 15 أغسطس 2026

معلقة الطريق الشائك للشاعر محمد علي باني

 معلّقة الطريق الشائك


الفصل الرابع: الوحدة


مقدمة وجدانية


حين انقشع الضباب، ظننت أنني سأجد رفيقًا ينتظرني عند آخر الطريق.


لكنني لم أجد أحدًا.


كان الطريق ممتدًا أمامي، وكانت خطواتي وحدها تصنع الصوت في ذلك السكون.


في البداية خفت من الوحدة.


ثم جلست إليها.


وحين هدأ كل شيء حولي، سمعت صوتًا لم أكن أسمعه وسط ضجيج الحياة:


صوت نفسي.


فعرفت أن بعض الرحلات لا يكتمل معناها بالرفاق، بل باللقاء الصادق مع الذات.


القصيدة


مَشَيْتُ وَحِيدًا وَالمَسَافَاتُ حَوْلِيَ

وَلَمْ أَرَ فِي دَرْبِي رَفِيقًا يُعِينُ


فَقُلْتُ لِنَفْسِي: لَا تَخَافِي وَحْشَةً

فَفِي الصَّمْتِ أَسْرَارٌ، وَفِي الصَّمْتِ يَقِينُ


وَكَمْ مِنْ جُمُوعٍ حَوْلَ قَلْبِي أَحَاطَتْ

وَكُنْتُ وَسْطَهَا أَشْكُو، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ


فَلَمَّا خَلَوْتُ إِلَى نَفْسِي لَحْظَةً

رَأَيْتُ الَّذِي أَخْفَيْتُهُ وَهْوَ دَفِينُ


تَعَلَّمْتُ فِي وَقْتِ الوَحْدَةِ أَنَّنِي

إِذَا عَرَفَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ يَسْتَبِينُ


وَجَلَسْتُ أُصْغِي لِلنُّبُوضِ بِدَاخِلِي

فَجَاءَنِي صَوْتٌ لِلْحَقِيقَةِ يَسْتَبِينُ


رَأَيْتُ عُيُوبِي لَا لِكَيْ أَسْتَسْلِمَ لَهَا

وَلَكِنْ لِكَيْ أُصْلِحَ النَّقْصَ فِيَّ


وَعَرَفْتُ أَنَّ المَرْءَ لَيْسَ بِمَا ادَّعَى

وَلَا بِمَا أَلْقَاهُ فِي النَّاسِ مِنْ صُوَرْ


وَأَنَّ الَّذِي يَخْشَى الجُلُوسَ مَعَ النَّفْسِ

يَفِرُّ مِنَ المَعْنَى وَهُوَ لَا يَشْعُرُ


فَمَا الوَحْدَةُ إِلَّا بَابُ نَفْسٍ إِذَا فُتِحْ

رَأَيْتَ بِهِ مَا لَمْ تَرَهُ العُيُونُ


فَخَرَجْتُ مِنْ صَمْتِي أَقَلَّ خَوَافًا

وَأَكْثَرَ يَقِينًا أَنَّنِي سَأَصِلُ


وَعَلَّمَنِي صَمْتُ الطَّرِيقِ حَقِيقَةً

بِأَنَّ رَفِيقَ الرُّوحِ فِيهَا أَنَا


خاتمة الفصل


لم تكن الوحدة نهاية الرفقة.


كانت بداية الرفقة الحقيقية.


فقد وجدت في أعماقي صوتًا لم يغادرني، وعرفت أن الإنسان يستطيع أن يمشي وحيدًا دون أن يكون تائهًا.


ومن هنا بدأت مرحلة جديدة:


اليقين.


التوقيع الشعري


أنا ابنُ حرفٍ إذا ما لامسَ الألمَ

نبضُ الحنينِ بهِ، وارتدَّ ملتهبَا


الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق