عبور أم هروب؟
بقلم: حميد النكادي..
هَمسَ لِي: تَعَلَّمِ السِّبَاحَةَ...
قُلْتُ: وَلِمَ؟
قَالَ: العُبُورُ بَحْرٌ لُجِّيٌّ.
قُلْتُ: وَأَيُّ عُبُورٍ؟
قَالَ: الهَرُوبُ.
قُلْتُ: الهَرُوبُ؟! وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَهْرُبُ؟
قَالَ: مِنْ سَمَاءٍ لَمْ تَعُدْ تُؤْوِيكَ،
وَمِنْ وَطَنٍ لَمْ يَعُدْ يَحْمِيكَ،
وَمِنْ مَسْؤُولٍ لَا يُفَكِّرُ فِيكَ.
قُلْتُ: وَمَاذَا بَعْدَ الهَرُوبِ؟
هَلْ تَفْتَحُ السَّمَاءُ هُنَاكَ أَبْوَابَهَا؟
وَتَنْزِلُ المَلَائِكَةُ لِتَمْحُوَ الذُّنُوبَ؟
أَمْ هُوَ هَرُوبٌ لِمُجَرَّدِ الهَرُوبِ؟
وَغُرُوبٌ لَا شُرُوقَ بَعْدَهُ،
وَتِيهٌ بَيْنَ الدُُّرُوبِ...
بَدَلًا مِنْ أَنْ أَتَعَلَّمَ السِّبَاحَةَ...
عَلِّمْنِي كَيْفَ أَكُونُ جُنْدِيًّا بَيْنَ الجُنُودِ،
أَخْتَرِقُ الظَّلَامَ... وَأَكْسِرُ القُيُودَ.
عَلِّمْنِي كَيْفَ أُشَمِّرُ عَنْ سَاعِدِي،
وَأُرَوِّضُ المِعْوَلَ،
وَلَوْ لِحَفْرِ اللُُّحُودِ...
عَلِّمْنِي أَنْ آكُلَ مِنْ رَغِيفِ بَلَدِي،
بَدَلَ أَنْ أَتَّبِعَ الحُلُمَ المَفْقُودَ...
فرنسا 02/08/2026
يقدم النص نموذجاً للنص الأدبي الوجداني الملتزم، حيث يتناول قضية الهجرة والهروب من خلال تقنيات سردية وبلاغية تكثّف الصراع بين الاستسلام والانتماء.
أولاً: البناء الدرامي والحواري
تعتمد القصيدة على الحوار الباطني (Monologue) المقسّم بين صوتين:
صوت الداعي للهرب: يمثل صوت الإحباط وواقعية الألم، ويحرض على النجاة الفردية ("تعلَّم السباحة").
صوت الرافض (الراوي): يمثل التمسك بالهوية، وينتقل من التساؤل الإنكاري إلى التقرير والتحدي.
هذا الأسلوب الحواري يخلق تصاعداً درامياً يبدأ بالمقترحات الذهنية وينتهي بالقرار المبدئي الحاس المتمثل في المواجهة.
ثانياً: الصور البيانية والمجاز
"سماء لم تعد تؤويك" / "وطن لم يعد يحميك": أنسنة للأماكن والرموز، حيث تُسلب من السماء صفة الاحتواء ومن الوطن صفة الأمان، لإبراز حجم الشعور بالغربة الداخلية.
"تيهٌ بين الدروب" / "غروبٌ لا شروقَ بعده": استعارات تمثل الاغتراب كظلمة وفقدان للبوصلة، حيث يُسلب المنفى من أي بعد أمسي أو أمل مستقبلي.
"أروض المعول": استعارة مكنية تشبه المعول بكيان جموح يتم ترويضه، مما يعكس تحويل العمل الشاق إلى فعل إرادة وكرامة.
ثالثاً: البنية اللغوية والإيقا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق