السبت، 15 أغسطس 2026

مالايرى للدكتورة راوية عبدالله

 "ما لا يُرى"  


ثَمّةَ أشياءُ تنكسر في الإنسان دون أن يسمع لها أحدٌ صوتًا. تحدث في المسافة الخفيّة بين ابتسامةٍ تُؤدّى على عجل، وعينين تعودان إلى وحدتهما محمّلتين بما لم تستطيعا قوله. 


  هناك، في الجهة التي لا تصل إليها الخرائط، تبدأ معارك لا تحتاج إلى ساحة؛ يكفي أن يستيقظ المرء وفي داخله شيءٌ لم يعد كما كان. 


 في الخارج، لكل معركةٍ ملامحها: خصمٌ يُرى، ودرعٌ يُرفع، ويدٌ تمتد حين تثقل الذراع. أمّا الداخل، فيترك مقاتله وحيدًا أمام ما لا يستطيع الإمساك به. يجلس بين الناس، يصغي، يجيب، ويمنح ضحكته للموقف المناسب، ثم يعود في آخر النهار إلى غرفته كمن يعيد إلى مكانه وجهًا استعاره لساعات.   


هناك فقط، حين لا يعود مضطرًا إلى أن يبدو بخير، تتكشّف الأشياء عن ثقلها الحقيقي.  


يتسلّل ما يؤلمه في هيئة تفاصيل صغيرة؛ ليلةٌ تتأخر فيها غفوةٌ لا تأتي، فنجانٌ يبرد دون أن يُمسّ، جملةٌ عابرة توقظ في الذاكرة بابًا كان يظنه مغلقًا. وقد يسرح للحظات وسط حديثٍ كامل، لا لأن ما حوله لا يعنيه، بل لأن شيئًا في داخله كان يناديه من مكانٍ أبعد.   


هكذا تتجاور الخيبة مع الذاكرة، ويجلس الخوف إلى جوار القلب، بينما يواصل صاحبه يومه كأن شيئًا لم يحدث.


  ثم، على نحوٍ لا يُرى أيضًا، يبقى شيءٌ صغير يقاوم. ليس بطولةً صاخبة، ولا انتصارًا يليق بالتصفيق؛ مجرّد قدرةٍ غامضة على النهوض مرةً أخرى، وترتيب الفوضى بما يكفي لبدء يومٍ جديد. 


  وربما لهذا لا ينبغي أن نثق كثيرًا بهدوء الوجوه؛ فبعضها لا يخفي فراغًا، بل يخفي بحرًا عبرته عاصفةٌ كاملة، وبقيت نافذته الأخيرة مفتوحةً على الضوء.


  ✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق