الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

أنا رجل حكمت عليه الأقدار للشاعر محمد عربي

 أنا رجلٌ حكمتْ عليه الأقدار

قصيدة : بقلم محمد عربي -الجزائر

أنا رجلٌ حكمتْ عليَّ الأقدارُ ** أن لا يلينَ لمحنةٍ مِقدارُ

أن أستظلَّ بظلِّ صبرٍ شامخٍ ** مهما تطاولَ في السماءِ غبارُ

أنا ذلكَ العابرُ الدروبَ وحيدَها ** والليلُ حولَ خُطايَ فيهِ حصارُ

أمشي، وفي عينيَّ ألفُ حكايةٍ ** وعلى الجبينِ من السنينِ شِعارُ

كم أبحرتْ بي في الزمانِ سفينةٌ ** وتكسَّرَتْ فوقَ المدى الأسفارُ

وإذا رستْ في شاطئٍ ظننتُهُ ** أمنًا، أتتْ ريحُ الأسى إعصارُ

ولقد عرفتُ الناسَ حينَ تبدَّلوا ** فإذا الوفاءُ قلادةٌ تُختارُ

ورأيتُ وجوهًا كانتِ البِشرى بها ** فإذا الوجوهُ أقنعةٌ وستارُ

ما كلُّ من صافحتُ يومًا صادقٌ ** فالصدقُ في هذا الزمانِ يُغارُ

كم بعتُ من وقتي لأجلِ مودَّةٍ ** فإذا المودَّةُ سوقُها دينارُ

لكنَّ قلبي ظلَّ يحملُ رحمةً ** لا يستبيحُ نقاءَها الأشرارُ

وأبى لساني أن يخونَ مبادئًا ** ما خانها في شدَّةٍ أحرارُ

أنا لا ألومُ الريحَ إن عصفتْ بنا ** فالريحُ مأمورةٌ، وللأقدارِ دارُ

لكن ألومُ القلبَ حينَ توهَّمَتْ ** أنَّ السرابَ على المدى أنهارُ

كم ليلةٍ سهرتْ عيوني باكيةً ** حتى استراحَ من الدموعِ مَدارُ

أُخفي انكساري خلفَ وجهٍ باسـمٍ ** وكأنني فوقَ الجراحِ منارُ

وأقولُ: يا دنيا تمهَّلي قليلًا ** إنَّ الكرامَ على الخطوبِ كبارُ

لا تكسري قلبًا تعلَّمَ أن يرى ** في كلِّ ضيقٍ حكمةً تُختارُ

إنِّي رضيتُ بما كتبتِ، فإنني ** عبدٌ، وربِّي الواحدُ الغفَّارُ

ما خابَ من جعلَ التوكُّلَ منهجًا ** أو باتَ يطرقُ بابَهُ الأسحارُ

قد ضاقَ صدري بالهمومِ، وربَّما ** ضاقتْ بما حملتْ جبالٌ قارُ

لكنَّ في قلبي يقينًا ثابتًا ** أنَّ اليقينَ على الأسى مِسمارُ

يا ربِّ إن طالَ الطريقُ فإنني ** أمشي، وخيرُ الزادِ الاستغفارُ

واجعلْ ختامَ العمرِ نورَ كرامةٍ ** لا خزيَ فيه، ولا بهِ إزرارُ

أنا رجلٌ جرَّبتُ مرَّ تجاربٍ ** حتى غدا من صمتيَ الإبحارُ

وتعلَّمتُ أنَّ الحياةَ مدارسٌ ** فيها يُمَيَّزُ جوهرٌ وحجارُ

من لم يذقْ مرَّ الليالي مرةً ** لن يستطيبَ إذا أتى الإزهارُ

ومن احتسى كأسَ الشقاءِ مؤمنًا ** هانتْ عليه إذا أتتْ الأقدارُ

لا تسألوا عن قصَّتي، فهي التي ** كتبتْ سطورَ حروفِها الأخطارُ

في كلِّ جرحٍ قصةٌ مخبوءةٌ ** وفي كلِّ صمتٍ عبرةٌ وأسرارُ

إنِّي وإنْ خذلتْ خطايَ رفاقُها ** فاللهُ نعمَ السندُ والنصَّارُ

هو ملجئي، وهو الرجاءُ إذا غدتْ ** أبوابُ هذا العالمِ الأسوارُ

سأظلُّ أمضي لا أبيعُ كرامتي ** فالحرُّ يبقى حرَّهُ الأبرارُ

والنخلُ إن رُجِمَ الحجارةَ دائمًا ** لا يُسقطُ إلا طيبَ ما يختارُ

هذا أنا... رجلٌ تعلَّمَ أن يرى ** خلفَ الغيومِ تباشيرًا وأنوارُ

ما ماتَ حلمي، بل يعيشُ بعزَّةٍ ** حتى وإنْ نامتْ عليهِ ديارُ

أنا رجلٌ حكمتْ عليَّ الأقدارُ ** لكنَّني فوقَ الخطوبِ منارُ

سأظلُّ أكتبُ بالحياةِ قصيدتي ** حتى يُقالَ: هنا مضى المغوارُ

ما ضرَّهُ أنْ ضاقَ دربٌ مرَّةً ** ما دامَ في قلبِ اليقينِ وقارُ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق