▼

الاثنين، 28 سبتمبر 2026

معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة الجزء الرابع للشاعر محمد علي باني

 معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة

الجزء الرابع؛ حين يصبح الإختيار موقفا 


مقدمة وجدانية


ليس الإنسان ما يعرفه فقط، ولا ما يتمناه، ولا ما يقوله عن نفسه.


إنه، في لحظةٍ حاسمة، ما يختاره.


فالحياة تضع أمامنا طرقًا كثيرة، وبعضها سهلٌ قصير، وبعضها طويلٌ شاق، وبعضها يفتح أبوابًا للراحة، وبعضها يطلب منا أن ندفع ثمنًا من وقتنا وراحتنا وربما من مصالحنا.


وهنا يظهر الإنسان على حقيقته.


فما أسهل أن نتحدث عن المبادئ حين لا تُكلّفنا شيئًا، وما أصعب أن نحافظ عليها حين تصبح لها كلفة.


قد يعرف المرء الصواب، لكنه يخاف ثمنه.


وقد يعرف الخطأ، لكنه يختاره لأنه أكثر راحة.


وقد يرى الظلم، لكنه يصمت لأن الكلام قد يزعج من يملك القوة.


وقد يجد طريقًا سريعًا إلى النجاح، لكنه يعرف في داخله أن الوصول إليه سيكلّفه شيئًا من كرامته.


وهنا يصبح الاختيار أكثر من قرارٍ عابر.


إنه موقف.


والمواقف هي التي تكشف معدن الإنسان.


فالإنسان لا يختار دائمًا بين الخير والشر في صورتهما الواضحة؛ بل كثيرًا ما يقف أمام مناطق رمادية، تختلط فيها المصلحة بالخوف، والرغبة بالواجب، والراحة بالضمير.


وفي تلك اللحظات لا يكفي أن يسأل:


ماذا أريد؟


بل عليه أن يسأل:


ماذا ينبغي أن أفعل؟


وهذا السؤال هو الفاصل بين من يعيش أسير رغباته، ومن يحاول أن يكون صاحب رسالة في حياته.


القصيدة


ما المرءُ إلا الذي يختارُ موقفَهُ

حينَ الطريقُ أمامَ النفسِ قد شعبا


قد يعرفُ الحقَّ، لكنْ حينَ يُمتحنُ

يخشى الطريقَ، ويستسهلْ بهِ الهربا


وقد يرى الخطأَ الممزوجَ منفعةً

فيستريحُ لهُ، إن كانَ قد كسبا


لكنَّ صوتًا خفيًّا في جوانحِهِ

يبقى يقولُ: أما كانَ الصوابُ أولى؟


فاخترْ لنفسِكَ ما يبقى إذا انطفأتْ

أضواءُ مدحٍ، ولم يبقَ سوى الأدبا


لا تجعلِ الخوفَ ميزانًا لخطوتِكَ

ولا تجعلْ الرغباتِ كلها سببًا


إنَّ الشجاعةَ ليستْ أن لا تخافَ، بلِ

أن لا يغيّرَ خوفُ القلبِ ما وجبا


وإنَّ حرَّيةَ الإنسانِ في يدِهِ

حينَ يكونُ قرارهُ للحقِّ منتسبا


قد يخسرُ المرءُ شيئًا من مكاسبِهِ

لكنَّهُ بالصدقِ لا يخسرُ العجبا


فكم طريقٍ بدا للعينِ منتصرًا

وكان في آخرِ الأيامِ منقلبا


وكم ضعيفٍ أمامَ الناسِ في نظرٍ

كانَتْ مواقفُهُ في الحقِّ قد غلبا


فالمرءُ يُعرفُ لا بالأمسِ من نسبٍ

لكنْ بما اختارَهُ اليومَ وما طلبا


وكلُّ خطوةِ صدقٍ في مسيرتِنا

تبني من النفسِ إنسانًا لهُ أدبا


فاخترْ، فإنَّك مسؤولٌ عن اختيارِكَ، لا

تلقِ القرارَ على الأيامِ والسببا


خاتمة الجزء


وهكذا يصبح الاختيار مسؤوليةً لا يستطيع الإنسان أن يهرب منها طويلًا.


قد نستطيع أن نلوم الظروف مرة، والناس مرة، والزمان مرة أخرى، لكننا في النهاية نصل إلى اللحظة التي يبقى فيها القرار أمامنا.


وهنا تظهر الحرية في معناها الحقيقي.


فالحرية ليست أن أفعل كل ما أريد، وإنما أن أستطيع أن أختار ما أراه حقًا، حتى حين تعارض ذلك مع هواي.


وليست القوة أن أفرض إرادتي على غيري، بل أن أملك إرادتي حين تحاول الرغبة أن تقودني بعيدًا عن قيمي.


إن الإنسان قد لا يملك كل ظروف حياته، لكنه يملك موقفه منها.


قد لا يختار ما يأتيه من الخارج، لكنه يستطيع أن يختار كيف يستجيب له.


وقد لا يستطيع تغيير الماضي، لكنه يستطيع أن يقرر ماذا سيفعل بما تعلمه منه.


وهنا تتضح قيمة الاختيار:


إنه المساحة التي يلتقي فيها الوعي بالإرادة، ويلتقي فيها العلم بالفعل.


لكن الإنسان، مهما بلغ من قوة القرار، يبقى يحمل داخله جوانب ضعيفة.


فالخوف لا يختفي دائمًا.


والتردد لا ينتهي تمامًا.


والغضب والرغبة والكسل والأنانية قد تعود في أشكال مختلفة.


ولهذا فإن اختيار الطريق مرةً لا يعني أن الطريق أصبح سهلًا.


فبعد أن يختار الإنسان ما يريد أن يكونه، تبدأ معركةٌ أخرى:


أن ينتصر على ما يحول بينه وبين ذلك الإنسان الذي يريد أن يصبحه.


تمهيد للجزء التالي


قد ينجح الإنسان في اختيار الطريق، ثم يكتشف أن أصعب خصمٍ في الطريق ليس خارجه، وإنما في داخله.


هناك خوفٌ يحتاج إلى مواجهة.


وعادةٌ تحتاج إلى كسر.


وضعفٌ يحتاج إلى تهذيب.


ورغبةٌ تحتاج إلى ضبط.


ومن هنا نصل إلى محطةٍ أعمق في رحلة الإنسان:


الجزء الخامس: حين ينتصر الإنسان على ضعفه.


الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق