(رجلٌ من زمنٍ آخر)
بقلم الأديب ربيع دهام
كانت كلّما جلسنا سوياً تسرد عليَّ حكمَتَها المفضّلة، مفشيةً لي :
"من شرّع نوافذه للشمسِ أَذِنَ لنورها بالتسرّب إليه ، كما للغبار".
ولم أكن لأدرك، أنا حفيدها الصغير ، أنّ حروف جدّتي المعتّقة بالأيام ، مثل النبيذ ، كانت رموزاً لحروفٍ ومعانٍ أخرى.
" وما على المرء ، في هذه الحالة ، إلا التمتّع بأشعة الشمس المطهِّرة ، كما آثار الغبار الضارة".
وحين كنتُ أسألها :
" ولماذا لا نُبقي النوافذ مغلقةً إذن؟" ،
كانت تجيبني بعجين كلامها المتخمَّر بالخبرة والتجارب :
" لو فعلتَ ذلك لَمنعتَ نور الشمسِ من التغلغل إليك،
ومن يمنع عن نفسه النور أَذِنَ للغبار وللطحالب أن تنهشه من الداخل".
فأجيبها بعقلي اليافع البريء :
" في داخلنا غبارٌ وطحالب؟"
وتبتسم جدّتي لبرائتي الطفولية ، حاجبةً فمَها بيدها اليمنى، علامة خجل ذاك الزمن الجميل.
وبعد أن تلف صدري الصغير بذراعيها وتأخذ نفساً عميقاً ، تقرّر إفشاء سرَّها الأكبر أمامي :
" إسمع يا ولدي. لا تأذن لغبار الدنيا أن تحجب عنك شمسَكَ.
فلو انطفأت شمسُ كلٍّ منّا لأمستِ الدنيا غبارا ".
ومرّت الأيامُ والسنون ، وتوُفِيّت جدّتي الحبيبة.
غاب عِنَبُ وجهها وبقي كلامُها كالعرائشَ في صدري.
كان وقعُ موتِها قاسياً عليّ.
وأذكر أنني ، بعد رحيلها ، أقفلت على نفسي أبواب ونوافذ البيت
وأسدلتُ جميع الستائر.
لا مكان للغبار هنا ، ولا للشمس!
لن أدع شيئاً يدخل بيتها.
ومرّت عجلات الوقتُ على أيامي وأنا في غفرتي الصغيرة ألتحق وحدتي
وأحدث عظامي.
وذات يومٍ ، انهمر صوتُ جدّتي ، مثل المطر ، على شبّاكي.
وقفتُ وتأمّلتُ.
رأيت شعاع ضوء يتسرّب فقلتُ :"هذا منديلها!"
سمعت شيئاً كزخات البَرَدِ فقلت :"هذه أصابعها!"
ركضتُ نحو النافذة. شرّعت الستائر وفتحتها،
وإذ بدنيا غريبة عجيبة تصفع كياني.
دنيا كلها حروبٌ
كلها دمارٌ.
دموعٌ ...ركامٌ.
إستغاثاتُ أطفالٍ.
لاجئون...مشرّدون.
إزدحام وسُبابٌ وفوضى عارمة.
صراخٌ وزعيقٌ وغضبٌ.
معاركُ طاحنة بين نفسٍ ونفس ،
وبين نفس ونفسِها.
طبولُ الحقدِ تُقرَع في كلِّ مكان.
سيوفُ الغيرةِ تُشهَر.
دموع مساكين تشهرها القنوات الإخبارية
دعاية للمحطّة.
قلوبُ تحبُّ فتذبحُها السهامُ.
والمالِ يمشي في الشارع إمامُ.
جسد إنسانٍ برأسِ جوّال.
وإنسانٍ آخر بجمجمة مستطيلة كما الكمبيوتر أو التلفاز.
الأذنان بُرجا إتصالات.
ورغم هذا ، الحواجزُ ترتفع بين قلبٍ وقلبٍ ،
وبين روحٍ وروحٍ.
لا أحد ينصت للآخر. لا أحد يسمع. لا أحد يرى.
ما هذا؟
ما هذه الدنيا الإلكترونية؟
لا ...لا أريدها!
هممتُ بإغلاق نوافذي وإسدال ستائري.
لا أريد أفتحها مجدّداً.
سأبقى وحدي. وسأبقى مع عزلتي في بيتها العتيق ،
ألوكُ من طحالب ذكرياته وألبس من صوف وحرير بساطته إلى أن أموت.
"يبدو أنّ الغبارَ قد أكلنا يا جدّتي".
وقبل أن يندمل جرحَ شبّاكي على مصراعيه ،
عدتُ وفتحتُ لأرى علّني كنتُ أحلم.
لوحةٌ مختلفةٌ تتجسّد أمامي.
بستانُ وردٍ. أشجارٌ كثيرة.
عصافير. فراشاتْ.
سنابلُ قمحٍ تلبس الشمسَ وتتراقص مع الريح.
رأيتُ رجلاً يحمل معولاً .
يبدو أنه يحرث أرضه.
شاهدته يركن معوله جانباً ويتوجه نحو شجرة.
يقطف بعض الثمار منها.
يضع الثمار في كيسٍ ، ثم يقدّمه لمارةٍ يتمشّون على الطريق.
ويبرق إليهم مبتسماً وبالخجل المنقرض الذي يشبه خجل
جدّتي : " تفضّلوا. هذا من خير أرضنا المعطاءة".
يبدو أنه لا يعرفهم.
نظرتُ إلى بيته المتواضع الفقير.
بيته يشبه بيتنا.
لكن بخلافه الآن ، كانت نوافذه مشرعةً.
أكمل المارة طريقهم آخذين الكيس منه شاكرين.
وعاد الرجل إلى حيث ترك معوله.
خلفه ، حيث كان يقف ، انتصبت نبتةٌ ، ذات بتلات صفراء ، إسمها دوّار الشمس.
رأيته يحدّق بها ، يقترب منها ، ثم بأصابعه يلامسها.
ومثل فارسٍ في قصص الأطفال ، انحنى أمامها وقبّل بتلاتها
كمن يقبّل يدي حبيبته.
" هذا رجلٌ يشبه نبتته. يبحث عن الشمسِ أينما كانت"، فلت في نفسي.
وبعد لحظةِ سكونٍ وتأمّل ، توجّهت إلى غرفةِ الجلوس تاركاً النافذة مشرعة.
فوراً دخل منها شعاع أملٍ صغير.
لحقني إلى حيث أسير.
فراشة ملوّنة أدخلت الربيع إلى قلبي.
ها الربيع يزور ضيعتنا من جديد.
ويعد ساعةٍ تقريباً ، عدتُ إلى نافذة غرفتي المشرعة.
خائفٌ أن تطلّ اللوحة البشعة أمامي، نظرتُ.
سمعتُ صوت معوله وهو يحاكي التراب.
أدرتُ رأسي نحو الشرقِ قليلاً ، فرأيته.
ما زال بإصرار الفلاحين القدامى ينكش.
يدفنُ في الأرضِ بذار الموت لتخرج منها ثمار الحياة.
وبملامح الطيبة في وجهه ، وعينين من صفاء ، ذكّرني بأيام طفولتي الجميلة.
"هو رجلٌ من زمنٍ آخر" ، قلتُ في نفسي.
وبعد تنهيدة عميقة تذّكرتُ كلام جدّتي :
" لو فعلتَ ذلك لَمنعتَ نور الشمسِ من التغلغل إليك،
ومن يمنع عن نفسه النور أَذِنَ للغبار وللطحالب أن تنهشه من الداخل".
هذا رجل أنقى مِن أن تأكله الطحالب.
ويبدو أن غبار الدنيا لم يتمكّن من سحقِ شمسه الجميلة.
( بقلم ربيع دهام)