الثلاثاء، 6 ديسمبر 2022

Hiamemaloha

من ذكريات طالبة للاديبة لطيفة حمدي

 "من ذكريات طالبة"

بقلم الشاعرة لطيفة حمدي

جلست على صخرة ترقب السفن المبحرة نحو المجهول مصغية إلى صوت النوارس المحلقة في الفضاء الرحب تستنشق عبير البحر وروائح الطحالب تدغدغ حواسها وتثير فيها حب الحياة ،أغرقت في سحابة من التفكير ورجلاها تلامسان مياه البحر الباردة فتبعث في جسدها قشعريرة تستعذبها .

تلاشى كل شيء حولها ولم تعد تشعر بشيء عدا تلك السمفونية المنبعثة من أصوات الأمواج المتصارعة ونشيج النوارس الباحثة عن الحرية والانعتاق .كانت مرهقة وحزينة حد التلاشي ،كان المساء مثل غيمة مثقلة بالأسى ولم تكن تعلم مصدر ذلك الشجن الذي استوطن فؤادها فهرعت إلى البحر تبثه شكواها فمن دونه يصغي إلى انينها  ويحفظ نجواها.

ازداد الجو برودة وازداد مشهد الغروب جمالا وبهاء وخيم على المكان صمت رهيب ،فقد غادرت النوارس وٱبتعدت أصواتها وهدات الأمواج حتى صارت تحاكيها في هدوء ورقة لا متناهية .عندئذ أدركت ان للبحر أسرارا أيضا ، يبحث عمن يصغي إليه ،ٱنسدلت أهدابها واغمضت عينيها ،وٱرتخت عضلاتها وأخذت تصغي إلى نشيجه .كان البحر كئيبا ،كان ينتحب في صمته لكنه ظل صامدا مثل الصخر غير آبه بما يحدث في أعماقه .

انسدلت خصلات شعرها تداعب وجنتيها الخمريتين مع نسمات المساء العليلة فاحست بأنامل تلاطف وجهها الطفولي فتبعث فيها الطمأنينة والأمان ،كانت طفلة بريئة تركض وراء أحلامها ولاتدرك من أسرار الوجود شيئا...

ترقرقت الدموع من عينيها النجلاوين عندما لوح والدها بيده لتوديعها وهي تمتطي الحافلة لتغادر قريتها لأول مرة نحو الجامعة ،شعرت بأنها تفقد المظلة التي كانت تقيها وهج الصيف وقر الشتاء ،تعثرت في مصعد الحافلة وأرادت الرجوع لتعانق ذلك الكهل وتخفي وجهها بين جنبيه، فتتزود من رائحة عرقه الشذية ،تماسكت وواصلت الصعود فقد تذكرت وجه أمها الملائكي و وصاياها العشر ...


لطيفة حمدي تونس                           7 ديسمبر  2022

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :