الخلالة...
متى يكبر الطفل ؟حوريٌة تستعجل لحظة زواج إبنها البكر والوحيد.لم تشعر الأمٌ يوما بمعاناتها ،وهي الأرملة رغم صغر سنٌها.همٌها الوحيد،أن يواصل وضٌاح دراسته .منذ صغره،كان وحيدها متفهٌما للوضع المادٌي لوالدته.
'السٌدٌاية ' تحتلٌ مكانها باستمرار بالغرفة الوحيدة للأسرة.لم يزعج ذلك وضٌاح أبدا.بركن صغير ،يراجع دروسه كل ليلة.
فيما والدته ،تتفنٌن في نسج ،'البطٌانيٌة '
أو البرنس،أو 'الكليم ' أو 'القشٌابيٌة'.صوت ''الخلالة' يزيد الطفل إصرارا على التٌركيز في إعداد واجباته المدرسيٌة.النٌجاح ولا غير النٌجاح،بل بالتٌميٌز والحصول على الجوائز على تواضعها.هواية ،وضٌاح المطالعة.وأحيانا لمٌا ينهي قراءة جوائزه من الكتب،يبادلها ببعض الكرٌاسات من أقرانه أو بعض الأدوات المدرسيٌة ليخفٌف على والدته ويعفيها من مصاريف إضافيٌة.صوت الأمٌ يرافق 'الخلالة '
بأهازيج حزينة غالبا.صوت حوريٌة يرتفع وينخفض بحسب الملحمة التي تؤدٌيها.
حين يتعلٌق الأمر ببطولات المقاومين للاستعمار يعلو صوتها ويطغى على صوت 'الخلالة'..حتٌى التلميذ يتأثٌر ،فيرافق والدته مؤدٌيا معها أهازيجها في انسجام تامٌ محترما الطٌبقة الصٌوتية..يبدو متحمٌسا ،متفاعلا.
والده،عبد الجبٌار ،استشهد ذات ليلة وهو ينصب كمينا لقوٌات الاحتلال بسفح أحد الجبال.نجحت العملية،بتدمير ناقلة جند بمن فيها ،واستشهد مهندس الخطٌة.
لطالما ردٌد الجيران بطولات عبد الجبٌار.استشهد وعمره لم يتجاوز الثلاثين .
نام وضٌاح بلا عشاء.فيما تواصل حورية،عملها.
البرنس سيكتمل غدا.بثمنه ،ستتمكن من تأمين بعض الحاجيات الضرورية ،من مؤونة وغيرها.
يتزايد الطلب على الأغطية والملابس الصوفية لحرفية المرأة وجودة ما تنسج.
'الخلالة' رفيقة درب حورية.أحيانا تحن المرأة لأيام الصبا.فتردد أهازيج بدوية ،تطربها وتنسيها ضنك العيش .أسنان 'الخلالة' تجعل المنسوج متماسكا متينا.أيدي الأم المكافحة ،تضغط جيدا على 'الخلالة' ،وكأنها
السلاح الذي يمكنها من شق طريقها لتعيل أبنها متناسية نفسها.
اشتد نباح الكلب،فهرعت حورية ،وأمسكت باليسرى سلاح زوجها الشهيد ، و'الخلالة' ،بيدها اليمنى ،متحسسة طريقها للزريبة.فرٌ الذئب والكلب يطارده.
انتصف اللٌيل ،نامت حوريٌة وهي تحضن ابنها.
في منامها ،زارها طيف عبد الجبار.بدا مبتسما راضيا،وهو يقبل وضٌاح مهنٌئا.وضع البرنس الأبيض على كتفيه.ورمق حورية بنظرة كلها رضا.نجحت في مهمتها.
انتفضت حورية،تتحسس حرارة جبين ابنها .
صاح الديك.بعد لحظات،نهض وضاح من فراشه.ليواصل رحلته اليومية للمدرسة.
🖍️صلاح لافي / تونس.