قصة قصيرة
إنتظار...
كان الفصل صيفا. والجو حار جداً ، حرارة لا تطاق، وكأن الشمس ترسل وابلا من النيران المسعرة التي تشوي الوجوه وتكوي الرؤوس العارية. الوقت يمرّ بطيئا كما لو كان سيتوقف مثلما توقف النسيم عن الهبوب منذ أيام ، حتى خلال المساء.
ومع ذلك، جلست ولوحدها، واجمة وبصرها شاخص وكأن الشارع سيلفظ شيئا ما تأمل رؤيته قادما من بعيد، على تلك العتبة التي ألفت احتضانها، كل يوم، منذ أسبوعين .إمرأة خمسينية بزيها التقليدي، من يراها على تلك الحال، يخالها مطرودة ، أو يحسبها متسولة.
إسمها أمي السعدية. قدمت من البادية لتمضية بضعة أيام مع أولاد إبنها الذي يتابع تكوينا في مدينة بعيدة ريثما يعود .قبل سنوات، وجد أكبر أبنائها وظيفة في المدينة الغول، كما كانت تسميها، لأنها تزورها لأول مرة وسمعت عنها الكثير من الأقاويل من نسوة البلدة اللواتي يزرن المدينة من حين لآخر . أمي السعدية ألفت الهواء النقي ، هواء البادية المنعش والعليل والحياة البسيطة . كانت تردد دوما بأن هواء المدينة يسبب الكسل ويصيب الناس بالعجز الحركي. هناك ، في دوارها ،اعتادت الإستيقاظ باكرا ، على صياح الديك. تشغل نفسها بتربية الدجاج، وتهتم ببقرتها الحلوب وبعض النعاج. رأت النور في البادية، لذلك قدومها إلى المدينة تسبب لها في الإكتئاب والملل.
منذ زارت المدينة وهي تتذمر وتشتكي من صداع في الرأس وآلام في المفاصل وتدعي بأن إبنها سيكون سببا في تعاستها وربما رحيلها المبكر. لم تستطع أمي السعدية التأقلم مع ذلك الجو الخانق، رغم محاولات كنتها في جعلها تشعر بالسعادة. كل صباح، تستفيق قبل أهل الدار وتخرج من البيت، تجلس على تلك العتبة القديمة المتآكلة الجدران، تواسي وحدتها ، بالقرب من دراجة نارية اعتاد صاحبها تركها هناك ليدخل إلى دكانه المتواجد في الجهة المقابلة. تمضي جل وقتها وهي تتابع حركة المرور والسير غير آبهة بنظرات المارة الفضولية، في انتظار عودة ولدها ورجوعها إلى قريتها حيث تنتظرها بقرتها ودجاجاتها البيوض.
بقلمي :لطيفة ناجي.