الجمعة، 21 يوليو 2023

Hiamemaloha

الاحتواء للأديب حسن عبد المنعم رفاعي

 قصة بعنوان

الاحتواء

================

** راقية ولم تتجاوز الثلاثة والثلاثون عام . منحتها الطبيعة جسماُ جميلاُ متناسقاُ , رقبة ملساء وعيون سواد واسعتين, شعرها اسوداُ متموجاُ ينحدر على كتفيها يصل لأردفها منظراُ روعة, وهى تتحرك بشكل متناغم كمعزوفة موسيقية, مضى على زواجها ثلاث سنوات لم ينجبا لمشكلة عندها , وكان زوجها على وشك الزواج باخري. لكن الموت فاجأه في حادث السيارة .أصبحت أرمله وورثت عنه مزرعته بعيدة عن بيوت البلدة. عبارة عن بيتاُ ريفياُ كبيراُ مع حوش واسع يضم مزرعة لتربية الحيوانات والطيور. وقطعة ارض زراعية واسعة. لم يبقي سواها وأم زوجها العجوز المقعدة والتي تعتني بها جيدا .

قامت بترتيب بتأجير الأرض لقاء مبلغ سنوي, وكانت تقوم بحلب الأبقار والأغنام وجمع البيض وبيعهم لتاجر يمر عليها بشكل دوري, ومضت حياتها هي والعجوز بشكل طبيعي وهادئة. الشيْ الوحيد الذي كان ينغص عليها حياتها هو مات وتركها وحيدة لا تدري ماذا تفعل . والرغبة عندها قوية وجسدها يحترق فترتجف وتبكي, ونقضت فترة الحداد وبداء يتوافد عليها من يعرض خدمات ليحوز رضائها وأخرين يطلبه ودها ووصالها . لكن صدمت جميع الوافدين برفضها كل هذه المحاولات. لاتها كانت تعي جيدا ماربهم طمعا في جمالها وميراثها .فقد كانت أمام الجميع قبل أن تتزوجه وهو اكبر منها عمرا. لم يقترب منها احد رغم جمالها لضيق ذات اليد. والان فقد جمعت بين الجمال والمال فطمعه بها الجميع. تمر الأيام كانه احدث يوم يتكررا كل يوم. فكانت لا تعرف الأيام لا عندما تسمع أذان وخطبة الجمعة فقد مضى أسبوع وتبدا أسبوع جديد .وبعد أعوام ماتت أم زوجها. بعدها تحولت حياة " راقية " إلى حياة سوداوية وحداد دائم وهي تعيش وحدها في بيتها الكبير وصورة كل شيء في حياتها لا تفارق خيالها.

وحدثت نكسة يونيه١٩٦٧وتم تهجير سكان منطقة القناه لمحافظات أخرى ،نزحت " دلال " وزوجها وأولادهم إلى بلدتها وقطني بالقرب من مزرعة السيدة " راقية " التي تربطها صلة قرابها. وصارت وليفتها التي تسرى عنها الوحد و تحكى لها عن أحوالها مع زوجها " محمود ".

كان صياد في العقد الرابع وهى تصغره بسنوات قليلة ، جميلة ممشوقة القد وعلى خدها اليمين طابع الحُسن ، لها حمرة في خديها طبيعية ، سوداء العيون لها أهداب طويلة تغرق الناظرين، البيت صغير ، لونه ازرق سماوي، كأنه ممزوج بلون الشفق يطل على البحيرة  و حوله أحواض من الريحان و النعناع، عندما تهب نسمات الهواء يفوح عطرها يملا الأرجاء. لديه قارب صغير، و أدوات صيد ورثها عن والده . كل يوم يدخل البحيرة لصيد الأسماك، يأخذا ما يحتاجه من الأسماك ، و الباقي يذهب به لتاجر الأسماك، الذى يذهب له كل الصيادين لكى يبيعوا صيدهم . وحين تأتى النواة الشتوية كل عام ، وكان ماهر في صيانة القوارب وطليها و يتخذه عملاً إضافياً خلال توقف الصيد ، كل عدة أيام يتفقد حالة قاربه لكى يحافظ على حالته الجيدة. وكانت " دلال " تساعده في إصلاح الشِباك ، و تزرع بعض الخضروات خلف البيت . وهو لا يحب الابتعاد عن البيت و البحيرة إلا للضرورة. يذهب للمقهى فقط ليشاهد و يسمع "خطابات عبد الناصر" غير مهتم بالسياسة فهو  يحبه ويبجّله . فلا يوجد تلفزيون بمنطقة البحيرة إلا بها.

كانت " دلال " مغرمة بالملابس اللامعة الضيقة ، ترتديها في ليالي الصيف لتبرز مفاتنها و تسلب لُبّ زوجها. و في الفجر يذهبا للبحيرة للاستحمام واللهو كما يحلو لهما تحت ضوء القمر. واحيان يجلس يرقّب. ويعودا لتناول الإفطار والشاي ليركب قاربه و يدخل البحيرة للصيد. ، ثم حدث ما حدث ودخل الحزن البيت و" محمود " رفض أن يخرج ، أصبح شارد الذهن واطلق لحيته. لم تعد علاقتهما كما كانت ، لكنها سيدة أصيلة وتحبه كثيرا، فكانت تشجعه و تزرع فيه الأمل ليعود كما كان . بعد فترة من الإلحاح والأقناع .وافق يأتي معها إلى هنا ويبدا حياتهما من جديد. قرارة  " راقية " أن تستعين به للعمل بالمزرعة. ولكنه رفض فطول عمره يعمل بالصيد وصيانة المراكب. فأوعزت  ل" دلال " أن تحاول إقناعه للعمل عندها افضل من العمل عند غيرها حتى تمر هذه الأيام العصيبة. ويعودا لحياتهم السابقة. ورغم دخول " دلال " وزوجها يؤنس وحدتها . لكنها حين ترها هي وزوجها وأولادهم يمرحون في سعادة وأخر الليل يضمهم بيت واحد . زاد شعورها بقسوة الوحدة أكثر .وهى تقبع وحيدة في غرفته بلا أنيس ووليف يملا حياتها ويداوى جراحها وينير وحشة ليلها. مرت الأيام على هذه الوتيرة طول اليوم بالمزعة وأخره يذهبوا للبيت . تنظر لهم في حسرة والم. وبداء شعورها نحوهم يتغير لم تجد تفسير هل هو حقد. حسد!!.

شعور مبهم فالسعادة تراها بعيون" دلال " تلتمسها في معاملتها لأولادها وزوجها . وهى وتعيسة وحيدة رغم غنيها فليس السعادة دائما في كثرة المال.

بدأت تتجنبهم وتعتذر لهم بأعذار مختلفة لتبتعد عنهم لفترات طويلة .

وبعد فترة من الزمن وقعت طريحة الفراش صريعة للمرض ولم تجد غير" دلال " وزوجها يعتنه بها ويواسها طوال فترة مرضها التي امتدادات لعدة اشهر دون كلل ولا ملل .وبدأت تمتثل للشفاء وهم لم يهملها. فهمت أن الوحدة اقسى من الشعور الذي لازمها قبلا. فقررت العودة لأحضان واحتواء عائلتها الجديد وتسعدهم . و شعرت بدفء المشاعر وسعادة غامرة لا توصف .

انتهت فى -15-7-2023

----------------------------------

الأديب/ حسن عبدالمنعم رفاعى


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :