أجْنِحة النوارس
بعث لي صديقنا برسالة من هناك من مدينته، مدينة بيضاء كفراشة، مدينة تسكن في حضن الأدب وتتربع في شرفاته، مدينة ذات نسائم عليلة تحملها أجنحة النوارس وزرقة البحر، هناك يتحدثون بأحاديث ليست كأحديثنا ولا كلماتهم تشبه كلماتنا
هناك في مدينته الحروف ترقص كـ(آنا بافلوفا) الروسية على مسرح محمد علي ونطقهم للكلمة جميل جدًا أشبه بإبتسامة (ماريا شاربوفا) الأوكرانية والكلم هناك يبحث عن المرادفات كبحث بشار عن أمه ليعبق رحيقه وشهده على أوراق بيضاء وينثر أريجه في كل الأرجاء
كتب ليسأل عن صحتي وعن حالي وقال هل لا زلتَ كغزال شارد يرتع في المحمية أو أنك كعادتك تتأمل كتأمل صياد ملقي بصنارته في إنتظار سمكة كبيرة تحمل في أحشائها خاتم سليمان وهل كبرت شجرة التفاح ونضجت ثمارها أم أكلتها الدِيدان كالعادة
وإلى أين وصلت روايتك الجديدة وهل دار النشر وافقت على كل التغييرات التى طلبتها.
ولأنك يا صاحبي تتواصل وتلتقي معه أكثر مني ولأنك أيضًا تمتلك مهارة الحفظ فأبلغه بهذه الرسالة دون زيادة أو نقصان وإن أردت أن تكتب وخوفًا من أن تنسى شيء فأكتب، الورقة والقلم أمامك
بعد التحية والسلام
يا صديقي روايتي حدث بها شرخًا أشبه تمامًا بشرخ بلادي فأنا في وادٍ وهم في وادٍ
روايتي سقطت حروفها ككل الإسقاطات ونقاطها تبعثرت أثناء نقلها من هنا إلى هناك ولبنان لم يعد مستقر ودُور النشر بحاجة إلى الدولار والدولار في بلادي أسمه العملة الصعبة وتجاوز حاجز الخمسة دينار
أما صحتي لن أخفي عليك يا صديقي، اليوم بالتحديد بلغتُ من العمر ألف عام ولا أحد تذكر عيد ميلادي حتى زوجتي وأولادي نسوا ذلك إلا صديق وصاحب وأخ كنت قد تعرفت عليه منذ كنت في بطن أمي فهو الوحيد لن يستطيع ولن يقدر ولن ينسى عيد ميلادي
أنا يا صديقي صرت كمن يتحدث الصينية مع ناس يتكلمون العربية أو لا يسمعون، لا يفهمني أحد وإن فهمني أحدهم هز برأسه لا أكثر وأنا في الحقيقة مثلهم وإن صارحت أحدهم بالحقيقة أدار وجهه ولن يبتسم في طريقك مرّة أخرى
أعذرني يا صديقي فالميت لا يريد شيء سوى الدعاء، لا تقلق ولأكون صادقًا معك صحتي ومشاعري أشبه برواية أبدع كاتبها إلا أنه كان مصيرها رصيف الطريق أو مركونة في درج سيارة يستعملها السائق ومن بينَ الفينةِ والأخرى أو حسب مزاجه يقطع منها ورقة لإستعمالها في ملئ سجائره بأوراق المارجوانا وما يطمن قلبي لربما تُصاب كلماتي بالإنتشاء هي الاخرى وتشعر بالسعادة أو بالضحك حتى وإن كان وهمًا أو كذبًا
هنا يا صديقي كل شيء يبدو باردًا، كل الوجوه والأحاديث حتى الدماء والضحكات صارت باردة إلا قصة حبي الفاشلة والتى تعرفها جيدًا وطقس مدينتي
هنا عباراتنا مبتذلة وأحاديثنا يفوح منها المكر والبغضاء وكلماتنا أشبه بمطرقة تدق مسمار في حائط وحروفنا في صراع مع نفسها كانت كسنبلة إلا أن المحيطين بك كألة كبيرة تجتر حقول القمح وتلك السنابل المسقطة لحباتها تبتلعها الطيور المهاجرة ومن بقي منها تسحبها أسراب النمل الجائعة بعد أن تقسمها إلى بيوتها وحتى وأن أتى موسم المطر قبل أوانه لن يجد إلا أرض قفار لربما ينبت فيها بعض من نباتات الحنظل الزاحفة وبعض من نباتات الصبار الشائكة
يا صديقي الأمور ليست على ما يرام، كنت قد كتبت روايتي في كشكول وبخط يدي سأبعث لك نسخة، لا تقلق فخطي جميل ولربما هكذا أفضل وتركتها دون عنوان فأختر لها عنوانًا مناسب بعد أن تقراءها بتمعن فالعناوين كثر وإن لم تستطع أبحث عن أي مسلسل ودراما مكسيكية أو تركية أو حتى فيلم هندي المهم أن يكون العنوان مناسب لرواية أشبه بمقالة طويلة أو بسيرة ذاتية تحمل إسقاط لواقعنا التعس
تحياتي لك يا صديقي ودمت بخير وسلام، أكتب لي فكلماتك ذات ريحٌ طيبة برائِحةً عَطِرة وملهمة أيضًا وأنا أتناولها بنهم ولتغيّر ولو قليلاً وضعي البائس.
🖊الحسين صبري