(الحلقة الخامسة/ الرِّسالة / مِن مرافىء الأيّام/ ربيع دهام)
أخيراً سقطَ الصَّبرُ عن شرفةِ الألمِ. أو أنَّ الألمَ هو الذي أسقطه
ولاذ بالفرار.
فتحَ الألمُ بابَ المتجرِ، حيث كانت يعمل، وخرج.
خرج لآخر مرَّة. خرج ولم يعد. ولن يعود بالتَّأكيد إلى مكانٍ مُذِلٍّ كهذا.
وعلى المنضدة، أمام الكرسي الأسود، حيث كان يجلس،
ترك الألمُ لمدير العمل رسالة صغيرة.
رسالة كان قد حاكَها بقلمٍ لطالما جَزَّتْ عنقَهُ مبراةُ الاسْتياء.
تقيَّأ القلمُ عصارةَ أوجاعِهِ:
"أيها الوحشُ،
يوم دخلتُ متجرَك أطلبُ عملاً، أخبرتك أنّي أتيتك على قدمَي الحاجة.
وماذا يعني أن يأتي إنسانٌ لإنسانٍ على قدمَيْ الحاجة؟
يعني أنَّه قد أتى واقفاً على قدميَهِ، لا جاثماً على ركبتيَهِ.
أو زاحفاً على يديَهِ. أو مطأطِئاً حاجبيهِ.
جئتُك طلباً للعملِ لا للإذلالِ. جئتُكَ لأجل راتبٍ نعم.
لكنَّه راتبٌ لقاء وظيفة.
وليس راتباً لقاءَ مُلكيَّة.
وبينا رحتُ أنا أشتغلُ هنا بإخلاصٍ، واحترامٍ وتفانٍ،
شرعتَ أنتَ بمعاملتي، كما يعامل المجتمع الذكوريُّ العاهراتْ.
نعم. حسبتَني عاهرةً تبيعُ نفسَها لأجلِ المال.
وكأنَّ العوَزَ جُرمٌ عقابُهُ الشَّماتَةْ.
حسبتَني عاهرةً تطرحُ كرامتَها أرضاً لأجل المعاشْ.
وكأنَّ الفقر جُنحةٌ، أو بالأحرى جنايةٌ، الحُكمُ فيها هو تعليق صاحبَ
الضّنك على حبلِ الاستغلالْ.
فأرجوك اقرأ. اقرأ أيها الوحش.
أنت التي لم تعرف يوماً أن تقرأ الخذلان في عيوني،
أتعرف حقَّاً أن تقرأ؟
وأنت الذي لطالما فشلتَ أن تتهجَّى حروفَ دمعتي أو أرقامَ بكائي،
أو كسرات تعبي وسُكُونَ هِمَّتي.
أتعرِف ماذا يفعل الأولاد واحتياجاتهم بالأمِّ والأب؟
العاهرة، أيُّها الوحش هي التي تبيع جسدَها وتسترخصه. نعم.
لكنَّ العاهر الأسوأ هو ذلك الذي يشتريه.
والعاهرة هي التي تبيع روحَها وغرقها في جيبِ إنسان.
لكن العاهر الأكبر هو مَن يحاول شراء هذه الروح واستغلالها.
وأنا لستُ ممَّن يبيعون الجسد أو الروح أيُّها الوحش.
وأنتَ الذي تذلَّ وتستغلَّ كيف؟ كيف لي أن أخبرك عن معنى الكرامة؟
كيف أخبرك أنَّ أمِّي التي فطمتني عن حليب ثديِها،
وأنا رضيعة، هي نفسِها التي فطمتني عن الطَّمعِ بأي مغرية
من مغريات الدُّنيا.
كلُّ الدُّنيا.
وأخيراً أقول لك أيُّها الوحش.
اليوم أُحرِّرُ روحي من قاووشك، وقاووش العملِ لديك.
واليومُ أترك لك هذه الرِّسالة على أملِ أن تُغَيِّرُ شيئاً ما
بداخلك. لا لأجلك أنت. بل لأجل تلك التي سوف تأتي من بعدي
طالبةً لوظيفة، وتظنُّها أنتَ طالبةً لحَسَنَةْ.
شكراً. شكراً لأنَّك عرفتَ أخيراً كيف تقرأني.
العاهرة التي اغتصبتْ عهرَكَ، أو عهر "سيِّدها" الذي كان،
عفيفةْ جُبران السَّعداوي".
وخرج الألمُ من باب ذاك المتجر.
خرج حر النفس، لكنه مقيد بسلاسل الحاجة.
خرج يبحث له عن عمل جديد.