أرض العزة والصمود
(المدينة التي تصنع الأبطال)
كانت هناك مدينة كتب لها القدر أن تصبح محاصرة من طرف عدو لا يحمل قلبه الرحمة، جاء من بعيد يعتدي على وطن لم يكن له منذ خلقت البشرية، يحمل الكره ويعادي كل الشرائع والأديان السماوية، يحمل طبع الوحش المتعطش للدماء البشرية .. تلك البقعة أو الوطن الذي حباه الله أن يكون أرضاً مقدسة،، تتعايش بها كل الأطياف الإنسانية إلا أنه كان كيان مجمع من خليط يريد أن يكون له وطن أو هوية ،على حساب سكان تلك الأرض الأبية ، وما زاده عنفا وغطرسة كونه محمي ومدعم من قوى كلها شر لا تريد السكينة لهاته الأمة التي جعل الله منها أمة التوحيد وناصرة الحق، وكرم الله أرضها بان تكون مهد الرسالات والحضارات . ومن الحصار والمعاناة تولد الثورات يحملها رجال لا يستسلمون للظلم والأستبداد الذي عانوا منه منذ فتحت عيونهم على الحياة ،هذا الذي زادهم اصرار وعزيمة لوقف تلك الكيان الأجرامي الذي يغتصب ويقتل ويسجن دون وجه حق وطرده من أرضهم التي أفتعل فيها كل الجرائم وتعدى كل الخروقات وفي قطاع غزة كان يعيش ياسين مع عائلته المتكونة من زوجته وامه وأبنائه الثلاثة على مورد حقله الصغير و القليل من أشجار الزيتون التي تركها له أباه ومن قبله جده والتي كانت مصدر عيش له ولعائلته .
وفي إحدى الليالي الخريفية كان يمر بالسوق لاقتناء بعض الحاجيات سمع بعض الكلمات التي تروي أن ذاك الكيان -الصهيوني الغاشم -الأجرامي المغتصب لم يكتفي بالحصار بل يريد ضم أراضي أخرى من تلك الضيعات التابعة لسكان تلك المدينة المنهكة قواها جراء أجرامه الذي بلغ عنان السماء، تغير وجهه من هول ما سمع ودعا الله أن لا يحقق هذه العملية وأن يرسل شيء في قلوب الناس يزرع فيهم روح العزم ومواصلة النزعة الثورية، لأنه يؤمن في نفسه أن ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة، وواصل طريقه راجعا الى البيت وحين وصل قص لأمه العجوز ما سمعه من أفواه العامة بالمدينة فقالت له لا تقنط أن الله معنا وبإذن الله ينتصر الحق،، و في صباح اليوم الموالي أستيقظ ياسين على صوت المنادي وهو ينادي الله أكبر،، الله أكبر نصرنا الله، فقام من مكانه وخرج مهرولاً إلى الشارع ليتقصى الخبر فإذا به يسمع الكل يردد بفخر ودهشة ! قام بها الشجعان لقد اجتازوا أراضي العدو المغتصبة ووصلوا إلى آخر نقاط كانت محرمة، بها ثكنات قوى الشر وتجمعات لهؤلاء الشتات من العالم وقد أسرو جنودهم وقتلوا عدد منهم، شيء عظيم لم يحدث من قبل، وأطلقوا على تلك المعركة أسم "طوفان الأقصى "، خر ياسين ساجدًا إلى الله شاكراً اياه أنه حقق دعائه. لقد عاش سكان تلك البلدة وما جاورها لحظات ملؤها الفرح والسرور،أنها لحظات وأحداث لا تنسى وسيكتبها ويدونها التاريخ .
ملأت الغبطة ياسين وراح يبشر أمه أن أبطال المقاومة فعلوها و أنهو شيء كان يحز في قلوب بعض الجيران وأخوة في الإسلام رفضوا التطبيع واقامة علاقات مع ذاك الكيان المجرم . وسرعان ما أمتدت تلك الفرحة وخبر تلك الأحداث إلى كل الأوطان والشعوب المناهضة للاستعمار بكل أشكاله . ولكن في الجانب الآخر كانت الصدمة قوية إذ لم يستسيغ العدو تلك السقطة و الفشل الذي لحق به من طرف بواسل المقاومة الشعبية، فراح يحشد جنوده وحلفائه ويخلق الحجج لكي يواصل في جبروته وأعلن حربه الابادية التي كان ضحيتها الاطفال الصغار والشيوخ والنساء العزل .هاته الحرب التي أستعمل فيها شتى الأسلحة الفتاكة والمحرمة دوليا .لم يستطع أن يدنو من التعمق إلى تلك المدينة التي دمر فيها البنايات والمستشفيات و أظهر نواياه الخبيثة وتعطشه لسفك الدماء ارضاءا لجبروته وأحقاده الدفينة منذ أن وطأت رجله تلك البقعة المباركة .
هب ياسين كغيره من السكان لمساعدة قوافل الاغاثة مع المسعفين لانتشال ضحايا ذلك الدمار أملاً في أنقاض الناجين من تحت الركام .
و عند المساء سمع أن حيه تعرض للقصف فذهب مسرعا ليتحقق من الخبر ويتحرى اليقين، تفاجأ بخبر استشهاد أمه وأبنائه ومن ضمنهم أبنته الوحيدة التي كان يبكي متأثرا ويهتف أنها كانت له روح الروح .هذا الموقف الذي اقشعر منه أبدان كل الحاضرين لم ينج سوى زوجته التي تعرضت لجروح من جراء القصف والدمار الذي أحدثته قوى الشر.
طالت الأيام والساعات ولم يحقق جيشه -الاسرائيلي-إلا الهزائم و بدأ الخوف يدب في قلوب جنوده ومسؤوليه ولم يجدو حلاً غير الجنوح طوعا إلى هدنة مع مسؤولي المقاومة التحررية.
وبرغم المعاناة ونقص الأمدادات التي شلها العدو إلا أن هؤلاء الأبطال بقوا في صمود وأرسلوا رسائل الى العالم أجمع مفادها أن صاحب الحق يحارب أو يموت من أجل أرضه وقضيته . و أن تلك الأرض تبقى تنزف أبطالها دون ملل أو يأس فهي موطن الشجعان وأرض المرابطين الجبارين الذين يحققون الانتصارات ويعلمون العالم الدروس في اليقين والثبات الذي فقده البعض هؤلاء الذين تنازلوا على مجد الأجداد الذي رصعت تجانه بالفخر والإباء.
وأنه من كل قطرة دم لشهيد ينمو ألف ألف مجاهد صنديد ويضاعف ربي ويزيد .
_زيان معيلبي (أبو أيوب الزياني)الجزائر.