أ. د. لطفي منصور
الظُّلْمُ مَرْتَعُهُ وَخِيمٌ:
"كُلَّماأَنْبَتَ الزَّمانُ قَناةً
رَكَّبَ الْمَرْءُ في الْقَناةِ سِنانا"
ما ذَنْبُ الطَّبِيعَةِ؟ تُخْرِجُ لَنا الْجَمالَ لِنَتَمَتَّعَ بِبَهائِهِ وكَمالِهِ وَعِطْرِهِ، وَنَحْنُ لا نَصُونُ النِّعْمَةَ، ثُمَّ نَقْلِبُ ما أُنْعِمَ عَلَيْنا إلَى شََرٍّ مَرِيرِ يُؤَدِّي إلَى هَلاكِنا وَهَلاكِ الْآخَرِينَ.
ضَرَبَ الشّاعِرُ لَنا مَثَلًا بِالْقَنا جَمْعُ قَناةٍ وَهِيَ عَصا الرُّمْحِ . الْأَرْضُ تُنْبِتُ تِلْكُمُ السِّيقانَ الْمُسْتَقِيمَةَ. لَكُنَّ الْإنْسانَ لا يَتْرُكُها تُورِقَ وَتَخْضَرَّ وَتُزْهِرَ، وَتَنْثُرُ جَمالَها فِي الطَّبِيعَةِ لِكُلِّ مَنْ شاهَدَهُ، بَلْ يَجْتَثُّها، وَيُزيلُ ما عَلَيْها مِنُ عُقَدٍ وَأَوْراقٍ ، وَيُحَوِّلُها إلَى أَبْشَعِ آلَةِ قَتْلٍ وَهُوَ السِّنانُ.
وَقُلِ الشَّيْءَ نَفْسَهُ بِالنِّسْبَةِ لِكِحْلِ الْبارُودِ. حِينَما اكْتَشَفَ الْبَشَرُ قُوَّتَهُ التَّدْمِيرِيَّةَ الَّتي تُفَتِّتُ الصَّخْرَ، وَتَصْنَعُ الْحِجارَةَ الَّتِي مِنْها عُمْرانُ الْقَرَى وَالْمُدُنِ وّالشَّوارِعِ وَالْقُصُورِ، فَحَوَّلُوها إلَى آلاتِ قَتْلٍ وَتَفَنَّنُوا فِي هَذا، وَأَخْرَجُوهُ عَنْ طَبِيعَتِهِ الَّتي خُلِقَتْ لَهُ.
هذا الْإنْسانُ الَّتي ذَكَرَتِ الْكُتُبُ الْمُقَدَّسَةُ أَنَّهُ خَلِيفَةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ أَصْبَحَ أَعْظَمَ مَخْلُوقٍ مُخَرِّبٍ عَلَى وَجْهِ الْبَسِيطَةِ. قّدْ سَيْطَرَ عَلَى مَخْلوقاتٍ الْيابِسَةِ والْبَحْرِ وَالْجَوِّ. وَاسْتَحَلَّ أَكْلَها وَالْتِهامَها، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ زاحِفْ أوْراجِلٌ اَوْ طائِرٌ. حَتَّى دِيدانُ الْقُبُورِ، وَكُلُّ أَنْواعِ الصَّراصيرِ أَحَلَّ أْكْلَها وَاسْتَلَذَّها.
هُناكَ خَلَلٌ في الطَّبيعَةِ أَيْضًا، هُوَ ما يُعْرَفُ بِقانُونِ الْغابِ، الْقَوِيُّ يَأْكُلُ الضَّعِيفَ بَرًّا وَبَحْرًا، غَرِيزَةٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ لِتُحافِظَ عَلَى التَّوازِنِ الْحَياتي في هَذِهِ الدُّنْيا. لَسْنا بِصَدَدِ مُحاكَمَةِ الْحَيَوانِ الْأَعْجَمِ الَّذي لا يُفَكِّرُ فَهِيَ غَيْرُ مَلُومَةٍ. أَمّا الْإنسانُ الْمُفَكِّرُ الْعاقِلُ الْعالِمُ هُوَ الْمَلُومُ. فَهُوَ لا يَرْعَوِي عَنْ ظُلْمِ الْحَيَوانِ وَالنَّباتِ، وَلا يَرْعَوِي عَنْ ظُلْمِ أَبْناءِ جِنْسِهِ، فَالْقَوِيُّ مِنَ الْبَشَرِ يَتَسَلَّطُ وَيَطْغَى. فَالظِّلْمُ غَريزَةٌ فِي الْبَشَرِ قالَ الشّاعِرُ:
وَالظًّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَإنْ تَجِدْ
ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ
اُنْظُرُوا إلَى الرَّئِيسِ الْأَمْرِيكِيِ، وَإلَى ما يَسْعَى إلَيْه. إنَّهُ السَّيْطَرَةُ عَلَى الْعالَم، وَإصْدارُ فَرَماناتِ إلَى حُكّامِ دُوَلِ الْعَالَمِ بِكَذا وَكَذا.
يُفَتِّشُونَ عَلَى أَنْواعٍ أُخْرَى مِنْ الْحَيَوانِ في كَواكِبَ أُخَرَى فِي هذا الْكَوْنِ ، فَإنْ وَجَدُوا ما هُوَ شَبيهٌ بِنا فَبِئْسَ ما وَجَدُوا، وَإنْ وَجَدُوا ما هُوَ خَيْرٌ مِنّا فَنِعْمَ ما وَجَدُوا. وَلْيُخْبِرُونا لِنُغادِرَ إلَيْهُ عِنْدَما يُصْبِحُ الِانْتِقالُ رَمْشَةَ عَيْنٍ.